فصل: كتاب الجزية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: نهاية المطلب في دراية المذهب



.كتاب الجزية:

11433- أمر الله تعالى لما افترض الجهاد بقتل المشركين كافة، فقال تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [النساء: 89]، وفي آية أحْرى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ} [البقرة: 191]، فمن العلماء من قال: كان الأمر بالقتال عاماً في ابتداء افتراض الجهاد، ثم ثبتت الجزية، لقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وكانت آية الجزية ناسخة للأمر بقتلهم كافة.
وقيل: آيات القتال عامة، وآية الجزية مخصصة لها، مبينة للمراد بها. فالأصل في الجزية الكتاب والسنة والإجماع. فأما الكتاب، فقوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} وسنذكر تفسير الصغار في أثناء الكتاب- إن شاء الله تعالى.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه إلى اليمن: «إنك سترد على قومٍ هم أهل كتاب، فاعرض عليهم الإسلام، فإن امتنعوا، فاعرض عليهم الجزية، وخذ من كل حالم ديناراً، فإن امتنعوا، فقاتلهم» والإجماع منعقد على أصل الجزية.
.................................
والجزية مأخوذة من الجزاء، وهي اسم للمال المأخوذ، من أهل الذمة، وهي على وزن الفعلة، كالقِعدة، والجِلسة وبابهما.
ثم قال قائلون-من غير فكرٍ-: المأخوذ في مقابلة إسكاننا إياهم، وهذا غير سديد؛ لأن المرأة تقيم في دار الإسلام، ولا جزية عليها.
ومنهم من قال: جزاء حقن الدم. وهذا ليس مرضيّاً أيضاً؛ فإنه يثبت مع الحقن عصمة الأموال، والذراري، ووجوب الذب، فليس الحقن كلَّ المقصود، بل هو من المقاصد.
وقيل: الجِزَى جزاءُ كفنا عن قتالهم في دار الإسلام سنةً، فصاعداً.
والوجه أن تُجمعَ مقاصد الكفار، ويقال هي مقابلة بالجزية، وسيكون لنا عودٌ إلى أن الجزية هل تنزل منزلة أجرة الدار المكراة أم كيف السبيل فيها؟
11434- ثم إن الشافعي صدر الكتاب بمن تؤخذ الجزية منه من أصناف الكفار، ومن لا تؤخذ منه الجزية، ولا يقَرّر في دار الإسلام.
فنقول: الكفار على ثلاثة أقسام: قسم- ليس لهم كتاب، ولا شبهة كتاب، فهؤلاء لا تؤخذ منهم الجزية، ولا يقرون في دار الإسلام بالجزية أصلاً، وهم عبدة الأوثان والنيران، وما استحسنوه من الصور الحسان، فلا تعقد لهم الذمة، بل نقاتلهم حتى نستأصلَهم أو يسلموا، وحمل أصحابُ المعاني قوله تعالى: {وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ} [النساء: 89]، على هؤلاء.
وقسم لهم حقيقةُ الكتاب، وهم اليهود والنصارى، وهؤلاء تحقن دماؤهم بالجزية، وتحل ذبائحهم، ومناكحتهم بنصوص القرآن، فأما الحقن، ففي قوله تعالى: {وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]، وحل الذبيحة في قوله تعالى: {وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ} [المائدة: 5]. والمراد الذبائح، وحل المناكحة في قوله تعالى: {وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ} [المائدة: 5].
وقسمٌ ليس لهم كتاب، ولهم شبهة الكتاب، وهم المجوس، فتحقن دماؤهم بالجزية، ولا تحل ذبيحتهم، ولا مناكحتهم على ظاهر المذهب، فغلّبنا فيهم أمرين يقضي الشرع بتغليبهما:
أحدهما: الحقن، وعليه أخذ الجزية.
والثاني-الحرمة في المناكحة والذبيحة، وقد روي «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذ الجزية من مجوس هجر». وروجع عليٌّ فيهم، فقال: "أنا أعلم الناس بأمرهم. كان لهم كتاب يدرسونه، وعلم يتعلمونه، فواقع فيهم ملك ابنته، فاطلع عليه أهل مملكته، فهموا بقتله، فقال: هل تعلمون ديناً خيراً من دين أبيكم؟ كان يزوج بناته من بنيه، فلما أصبحوا كانوا قد أُسري على كتابهم ومُحي ما كان في حفظهم".
وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب».
هذه قاعدة المذهب في الكفار، وتفصيل الحكم في أقسامهم.
ثم لا أثر عندنا في قبول الجزية وردها للعرب والعجم، وإنما التعويل في قبول الجزية على من قَبِل الكتابين، التوراةَ والإنجيلَ، أو للتمسك بشبهة كتاب المجوس، ثم لا فرق بين أن يكون الكتابي أو المجوسي عربياً أو أعجمياً.
فهذا تأسيس المذهب فيمن يكون من أهل الجزية، وفيمن لا يكون أهلاً لها.
11435- ولو جاءنا قوم من الكفار، وزعموا أنهم متمسكون بالكتب المنزلة على الأنبياء، وتعلّقوا فيما زعموا بتلك الكتب كالزبور المنزل على داود، والصحف المنزلة على إبراهيم، فهل نأخذ منهم الجزية؟ ذكر العراقيون وجهين:
أحدهما: أنا لا نأخذ الجزية إلا من الأصناف الثلاثة: اليهود والنصارى والمجوس؛ لأنا لا نثق بأقوال الآخرين، ولا ندري صدقَهم من كذبهم، ولم نر الأولين ينوطون أحكام أهل الكتاب إلا بأهل التوراة والإنجيل. هذا أحد الوجهين. والوجه الثاني- أن الجزية تؤخذ منهم؛ فإنهم بزعمهم أهل الكتاب وقد أُمرنا باعتماد أقوال الكفار إذا اعتَزَوْا إلى كتب الله تعالى.
ولو انتهينا إلى بلدة، ورأينا فيها جمعاً من الكفار، وزعموا أنهم يهود والتزموا الجزية، لزمنا قبولَها منهم، ولا نطالبهم بإقامة البينة على دينهم، فإنا لو كلفناهم ذلك وشهادتهم مردودة، والعلم بما ذكروه لا يأتي إلا من جهتهم، لجرّ ذلك عسراً في قبول الجزية، وإن كان هذا متفقاً عليه في الذين ينتحلون التهوّد والتنصر، فكذلك إذا انتمى قومٌ إلى كتاب منزل على بعض الأنبياء، وجب إلحاقهم بأهل الكتاب في قبول الجزية منهم؛ تعويلاً على قولهم.
والذي يوضح ذلك أن الجزية مقبولة من المجوس، وإن تحققنا أنه ليس بين أظهرهم كتاب، وإنما تعلقهم بشبهة الكتاب، كما قدمنا ذكره، ثم الجزية مقبولة منهم. فليكن الأمر كذلك فيما ذهبنا إليه.
ثم إذا ألحقناهم بأهل الكتاب، في أخذ الجزية منهم، فلا يحل مناكحتهم وذبائحهم؛ من جهة التردد الظاهر في تكذيبهم، ولو كان بقي من ينتمي إلى كتاب سوى التوراة والإنجيل، لرئي منهم حزب يعتزون إلى ملة، ويشتهرون بها، فمن هذا الوجه لا نبُيح المناكحة والذبيحة، ومن حيث إنه لا ينقطع الاحتمال يُحقن الدم بالجزية.
وهذا يناظر ما قدمنا ذكره في كتاب النكاح، حيث قلنا: المتهوّد الذي ينتهي جده العالي إلى التهوّد قبل المبعث، فالجزية مأخوذة منه، ومن ينتهي جده العالي إلى اليهود بعد مبعث المصطفى صلى الله عليه وسلم لا تؤخذ الجزيةُ منه، وقد انتوت قبائل من العرب، فتهوّدت، وتنصّرت، وأشكل الأمر على نقلة التواريخ، فلم يحققوا أنهم تهوّدوا، أو تنصروا قبل المبعث أو بعده. وقد قال الشافعي نصاً: "الجزية مأخوذة منهم"، ولا تحل المناكحة والذبيحة.
11436- ومما يتعلق بهذه القاعدة أنا ذكرنا تردّداً في النصوص، واختلافَ أقوالٍ في أن من لا يكون من بني إسرائيل، ففي مناكحته كلام، فأما الجزية، فإنها مأخوذة. وإن كان تمسكه بالدين بعد التغيير إذا كان الانتهاء إلى الدين قبل المبعث، فالجزية مأخوذة قولاً واحداً؛ تغليباً للحقن.
وفي بعض التصانيف أن من تهوّد أو تنصّر بعد تبديل الدينين وتغيّر الكتابين، وقبل مبعث رسولنا صلى الله عليه وسلم، نظر: فإن تمسك بدين غير مبدّل، وحدث التبديلُ منه، ثم أدركه الإسلام، فلا تقبل الجزية منه، وإن كان ذلك قبل المبعث، وهل تقبل من أولاده؟ فعلى وجهين مبنيين على أن الجزية هل تؤخذ من أولاد المرتدّين؟
وهذا كلام مختلط لا تعويل على مثله، والمذهب القطع بأخذ الجزية ممن تمسك بالدين المبدّل قبل المبعث إذا أدركه الإسلام؛ نظراً إلى تغليب الحقن، فإذا تعلق بالكتاب، فليس كله مبدّلاً، وغير المبدّل منه ينتصب شبهةً في جواز حقن دمه بالجزية؛ إذ ذلك لا ينحط عن الشبهة التي يتمسك بها المجوس؛ فلا ينبغي أن يعتد بهذا، بل الوجه القطع بقبول الجزية، كما قدّمنا ذكره.
11437- ومما يجب صرفُ الاعتناء إليه السامرة والصابئون، وقد اختلفت النصوص فيهم، فقال في موضع: تؤخذ منهم الجزية، وقال في موضع: لا تؤخذ، فاختلف طرق الأئمة، فذهب ذاهبون إلى أن النصين محمولان على تقديرين، فحيث ألحقهم باليهود والنصارى في قبول الجزية منهم أراد إذا كانوا لا يخالفونهم في أصول الدين الذي يجرى فيه التكفير بينهم، وإنما يخالفونهم في الفروع، أو ما يقع بمثله التضليل، وحيث قال: لا تؤخذ منهم الجزية، حُمل الأمر على أنهم يخالفونهم في أصل الدين، وسبب تردد النصين تردد الشافعي في عقدهم.
وقد ذكرنا في كتاب النكاح هذا التردد في المناكحة، واستحلال الذبيحة، والوجه أن نقول: إن جوزنا مناكحتهم، فلا شك أن ذلك محمول على ظاهر تعلقهم بالتهوّد والتنصّر، ورجوع مخالفتهم إلى ما لا يخرجهم من أصل الملّتين. ثم على هذا لا شك أن الجزية مأخوذة منهم، والتردد في أخذ الجزية يجري على ترتيبٍ سأصفه في آخر هذا الفصل، إن شاء الله.
والذي يعرض في الفكر من أمرهم، أنهم وإن خالفوا في الأصول، فلا يخرج السامرة والصابئون من التمسك بالتوراة والإنجيل، ثم لا ينحط تمسكهم بها عن تمسك المجوس بشبهة كتاب قدِّر لهم.
والطريقة المرضية في ذلك، الناصّة على المقصود، ما ذكره صاحب التقريب.
قال: حكي عنهم القول بأن مدبر العالم الأنجمُ السبعة، ومدبّرها الفلك الأعلى، وهو الحيّ الناطق. وقال بعضهم: بِقِدَم النور والظلمة. ومن ينتحل هذا المذهب، فلا معنى ولا صورة للكتب عنده، ولا أمل لتمسكهم بالكتاب، وإذا كان التردد في معتقدهم على هذا النحو، فهم بين أن يكونوا متمسكين بالكتابين، وبين ألا يكونوا متمسكين بهما، فيقع التنزيل على هذا الترتيب، لا على النظر في مخالفة الأصول والفروع.
ثم صاحب التقريب لم يذكر خلافاً، وإنما ترك النصين على الجهة التي ذكرها.
وهذا حسنٌ بالغ، وبه يزول الإشكال ويحصل التصريح بالغرض المطلوب في الفصل.
وأما العراقيون، فقد حكوا اختلافاً، فذكروا عن أبي إسحاق، وعامة الأصحاب أن ما سبق من الشافعي ترددٌ في اعتقادهم، ثم تبين له أنهم متمسكون بالكتاب، فقطع بأخذ الجزية منهم آخراً. وحكَوْا عن أيي سعيد الإصطخري أنه كان يفتي بأنه لا تؤخذ منهم الجزية، ولا تمسك لهم بالكتاب، وهم معطلة قائلون بانحصار تدبير العالم على الأنجم.
فهذا وجوه كلام الأصحاب.
وتمام البيان في ذلك أنا إن وقفنا على تعطيلهم، فلا شك أنا لا نأخذ الجزية منهم، وإن بقي الأمر مشكلاً فيهم، فالمناكحة محرّمة، وفي أخذ الجزية منهم احتمال؛ من جهة أن أصحاب المقالات نقلوا عنهم ما أوجب تعطيل التمسك بالكتاب. والمجوس على حالٍ متمسكة بنبوة نبي يسمّونه زرادشت، ويزعمون أنه إبراهيم صلى الله عليه وسلم، ويجوز أن يقال: تؤخذ الجزية مع التردد في السامرة والصابئين لأنهم على الجملة يدّعون التمسك بالكتاب، وينتمون إلى الملّتين، وإن كان الأمر على التردد، فلا مناكحة تغليباً للحظر.
هذا منتهى القول في السامرة والصابئين.
11438- ومما نذكره متصلاً بما نجزناه: أنه إذا تهوّد وثني قبل المبعث، وله ابن صغير، ثم بعث محمد صلى الله عليه وصلم، فقد ذكرنا حكم من تهوّد قبل المبعث، وتمسك بالتهوّد، فيقرّ بالجزية؛ فإنه ثبت له حكم التهوّد في ابنه قبل المبعث، وعلى هذا الوجه ينتسب الأولاد إلى الأجداد، حتى ينتهوا إلى الجد الذي تهوّد قبل المبعث.
ولو توثن نصراني في زماننا، وله أولاد صغار، نظر: فإن كانت أمهم نصرانية، فقد قال العراقيون: الأولاد الصغار يعدّون في دار الإسلام، تبعاً لأمهم، وإن كانت هي وثنية، ففي الأولاد الصغار قولان ذكرهما العراقيون:
أحدهما: يُقَرّون؛ فإنهم لم يغيّروا، والدينُ الطارئ لا يستتبع الأولاد بعد ما ثبت لهم من قبلُ حكمُ التنصر، وإن أدنى الدينين لا يزيل عن الأولاد الصغار حكمَ أشرف الدينين، وإنما ينقل الأعلى من الأدنى.
والقول الثانى- أنهم يتبعون الوالد، فيضمون إليه، وحقيقة ما ذكروه راجع إلى أن الأب إذا توثن عنْ تهوّدٍ أو تنصّر، فهل يستتبع أولاده؟
ولو كان الأولاد من وثني ووثنية، فتهوّد الأب، فلا تثبت له حرمة التهود؛ فإن هذا التهوّد بعد المبعث، وإذا لم نثبت له حرمة أهل الكتاب، فلا شك أنا لا نثبتها لأولاده الصغار، وما ذكرناه في توثن اليهودي، وهو نقضٌ للحرمة، ويتصوّر من اليهودي نقض حرمته، وفي استتباع أولاده التردد الذي حكاه العراقيون.
والأَوْجَهُ الجاري على قياس المراوزة أن حرمة الأولاد في الانتماء إلى الكتاب لا تتبعض، وتوثن الأب لا يتضمن الاستتباع، وما ذكره العراقيون من الفرق بين أن تكون الأم كتابية أو وثنية سديد؛ فإن الأم إذا كانت يهودية يبقى انتماء الأولاد إليها، والتبعية في الدين أن يثبت، فلا اختصاص لها بالولد.
هذا تمام الغرض.
11439- ثم قال العراقيون: من توثن من اليهود لا نغتاله، ونُلحقه بدار الحرب.
وهذا فيه نظر؛ فإنه بتوثنه قطع الأصل الذي هو معتمد الأمان والذمة، وقد ذكر المراوزة في اغتياله خلافاً، وهو الظاهر عندنا، لأنه لا يغتال كما ذكره العراقيون.
فأما أولاده الذين كانوا في زمن التهوّد، فالظاهر أن حرمة الكتاب تستدام لهم وإن حكمنا بانتقاضها، فالوجه القطع بأنهم لا يغتالون في صغرهم وتمام الشرح في هذا موقوف على ذكرنا موت الأبوين الكتابيين وتخليفهم فينا صغار أولادٍ، فكيف الحكم فيهم؟ وكيف نُبقِّيهم، وقد زالت التبعية، وليسوا من أهل التزام الجزية، وسيأتي هذا مستقصى في أثناء الكتاب، إن شاء الله.
وقد تمهدت القواعد فيمن تؤخذ الجزية منه من أهل الأديان، وفيمن لا تؤخذ، وإثبات التعرض للأديان، وما يمنع أخذ الجزية منها وما لا يمنع.
فأما القول في النساء والصبيان وأنهم لا يفردون، فذلك يأتي في الباب الثاني، إن شاء الله عز وجل.
فرع:
11445- إذا أخذ الجزية من قومٍ زعموا أنهم يهود أو نصارى، ثم أسلم منهم اثنان، وظهرت عدالتهما في الدين، وشهدا عندنا بأن قومهما ليسوا يهوداً، ولا نصارى، وإنما هم عبدة الأوثان؛ فإنا نتبين أن الذمة غيرُ منعقدة، ونعاملهم معاملة عبدة الأوثان، ثم إذا أثبتنا أن لا ذمة لهم، فهل نغتالهم بسبب تلبيسهم علينا أو نلحقهم بدار الحرب؟
هذا فيه تردد. والظاهر أنا نغتالهم؛ لأن الأمان الفاسد إنما يثبت عُلقة الأمان إذا كان المؤمِّن على جهل لا يقدّر أن يتمهد لأجله عُذره، فإذا كان الظن منا والكافر يدلّس علينا، فلا يتجه إلا الاغتيال.
11441- ومما نلحقه بالكتاب الكلام في أولاد المرتدّين. فإن حكمنا لهم بالردّة، فلا تقبل الجزيةُ منهم، وإن حكمنا لهم بالإسلام، طالبناهم به؛ فإن أبَوْا، فهم مرتدون. وإن حكمنا بأنهم كفار أصليون، وآباؤهم المرتدّون متهوّدون ومتنصّرون، فالمذهب أنا لا نأخذ الجزية منهم؛ فإنه لم يثبت لهم جَدٌّ دان بالدين قبل المبعث، ومن أصحابنا من قال: إذا أثبتنا لهم حكم الكفر الأصلي، فنأخذ الجزية منهم، ونجعلهم كالمنتمين إلى جدٍّ دان بدين اليهود قبل المبعث.
وهذا لا أصل له، فإن لم نأخذ الجزية منهم، فلا كلام، وإن أخذناها، ففي استحلال المناكحة، وحِل الذبيحة ترددٌ، والوجه القطع بالتحريم، وأفتى بعضُ الأصحاب بإحلال وطء سبايا غَوْر تهامة، وقد ثبت منهم أنهم ارتدّوا بعد قبول الإسلام، وهذا قولٌ صدر عن عَماية، وقلة دراية، وفيه خرم أصلٍ عظيمٍ اتفق الأصحاب عليه وهو أن الذين تهودوا بعد المبعث لا يُناكَحُ أولادهم. وأولاد المرتدّين شرٌّ منهم، ولم نذكر هذا لتخيل التحاقه بالمذهب، وإنما ذكرته للتنبيه على الغلط فيه، وظهور مناقضة الأصل المتفق عليه، فيجب القطع بالتحريم، بل يجب القطع بأن الجزية لا تؤخذ منهم؛ إذ ليس لهم جدٌّ قد دان بالدين قبل المبعث. ولو كان لهم جدٌّ دان بالدين قبل المبعث، ثم أسلموا وارتدّوا من بعد وحدث لهم أولاد، فالإسلام قطع الاعتصام بالجد العالي. وإنما يؤثر ذلك الجد، لو تواصل التهود، فإذا بطل أخذ الجزية من أولاد المرتدّين قطعاً، فما الظن بالمناكحة والذبيحة؟
ويبقى التردد في أن أولاد المرتدّين هل يسترقون؟ وهذا يجوز خروجه على أنهم كفار أصليون؛ فإن عبدة الأوثان لا يمتنع إرقاقهم على ظاهر المذهب. ومن أصحابنا من منع إرقاق عبدة الأوثان؛ فإن هذا يتضمن أماناً مؤبداً على التوثن.
11442- فرع: المتولد من بين وثني وكتابية، وكتابي ووثنية في مناكحته واستحلال ذبيحته قولان مشهوران:
أحدهما: تغليب التحريم.
والثاني: النظر إلى الأب، فعلى هذا المتولّد بين وثني وكتابية لا تحل ذبيحته قولاً واحداً. وإنما القولان فيه إذا كان الأب كتابياً والأم وثنية، فأما أخذ الجزية، فقد قال صاحب التقريب، والعراقيون طريقة مقتضاها أن التفصيل في قبول الجزية منه كالتفصيل في المناكحة وحل الذبيحة.
وهذا غير سديد عندنا. والوجه القطع بقبول الجزية منه؛ لأن شبهة الكتاب تَلحقه، وقد ذكرنا أنا نكتفي بشبهة الكتاب في قبول الجزية، وعليه أثبتنا قبول الجزية من المجوسي.

.باب: الجزية على أهل الكتاب:

11443- الأصل في الباب قوله تعالى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29]. والمراد بالإعطاء الالتزام لا صورةُ البذل يقال لمن أذعن لقبول الجزية: قد أعطى الجزية، أي استسلم لها.
واختلف العلماء في قوله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ}: قال الشافعي: الصغار جريان أحكام الإسلام عليهم على خلاف عقيدتهم. وقيل: المراد بالصغار الأخذ باللحى والضرب في اللهازم، فيكلف الذمي أن يوفي الجزية بنفسه، ويطأطىء رأسه، ويصب ما معه في الكِفة، ويأخذ المستوفي بلحيته، ويضرب في لهزمته.
واختلف أصحابنا في أنه هل يجوز للمسلم بأن يوكَّل عن الذمي في إيفاء الجزية، فمنهم من لم يجوّز ذلك وسببه أن إجراء الصغار عليه في وقت تأدية الجزية من المقاصد، وكيف لا ونص الشافعي دالٌّ عليه، وهو قوله تعالى: {وَهُمْ صَاغِرُونَ} ولو جوزنا استنابة المسلم، فيكون المسلم في صورة المستخدَم، والكافر يتودَّع في رحله، وهذا نقيض ما أمر الله تعالى، ومن أجاز التوكُّل، نظر نظراً كلياً في استيفاء الحقوق وإيفائها، وينشأ من هذا التردّد الإحاطة بأن إجراء الصغار على الذمي حالة التأدية حتم أم لا؟ فإن منعنا توكل المسلم، فهو قضاء منا بإيجاب إقامةِ الصغار.
وذكر الأئمة تردّداً في أن المسلم لو ضمن الجزية، فهل يصح ذلك؟ فإن أوجبنا الصغار، لم يصح الضمان، وإن لم نوجبه، صححناه. والأوضح عندي تصحيح الضمان؛ فان ذلك لا يقطع إمكان توجيه الطلب على المضمون عنه، ونفي الضمان حتى لا يقال: إنه يُلزم الضامن شيئاً بعيدٌ.
ولو وكل ذمي ذمياً، فيتجه عندنا إجراء الخلاف؛ فإن كلَّ ملتزم بالذّمة معنيٌ بالصغار في نفسه.
ولو وكل كافر مسلماً في عقد الجزية له، فهذا جائز؛ إذ ليس في نفس العقد صغار، وإنما الصغار في التأدية.
11444- ثم مقصود الفصل: الكلامُ في أقل الجزية، وفي التزام الكافر مزيداً على الدينار، فأما الأول، فدينار في السنة، أو اثنا عشر درهماً مسكوكة من النقرة الخالصة. ويقابَل الدينار بعشرة في القواعد إلا في الجزية، فإنه باثني عشر درهماً، ورأيت في كلام الأصحاب ما يدلّ على أن الأصل في الجزية الدينار، ولا يقبل الدرهم إلا بالسعر والقيمة، كما أنا نجعل نصاب السرقة ربع دينار، ولا اعتبار بالدراهم، وهي بمثابة السلع تقوم بالذهب وهذا متجه، ولولا قضاء عمر في الترديد بين الدينار والاثني عشر درهماً، لما كان لاعتبار الدراهم وجه. والأخبار كلها مشتملة على ذكر الدنانير. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لمعاذ: «خذ من كل حالم ديناراً أو عِدْله معافر» وهي ضرب من الثياب، وضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أهل أيلةَ ثلثمائة دينار، وهم ثلثمائة نفر.
فأقل الجزية دينار ويستوي الغني والمتوسط والفقير المعتملُ الكسوب، والأولى للإمام أن يماكس من يضرب الجزية عليه حتى يزيد على الدينار، ولكن هذا إنما ينفع إذا لم يكن باذل الجزية عالماً بأن أخذ الجزية واجبٌ إذا بذلوها، مع العلم بأن الدينار لو اقتصروا عليه، لزم قبوله، فإذا علم الكافر ذلك، فلا معنى للمماكسة معه؛ فإنه استماحةٌ، ولو بذل الكافر أكثر من دينار، والتزم في السنة دينارين فصاعداً، لزمه الوفاء بما التزمه، وهذا يشبهه الأئمة بشراء الرجل المطلَق المتاع بأكثر من ثمن المثل، وإذا جرى ذلك، لزم الثمن بكماله.
ثم قال الأئمة: من آثار المماكسة في الابتداء أن يلتزم الجزية إذا لم يكن عالماً بحكم الإسلام في أقل الجزية، وليس على الذي يعاقده أن يبين له ذلك، وإن جاء المسلم بأكثرَ مما يُستحق عليه في الزكاة، فحق على القابض منه أن يُعلمه أن الذي أتى به أكثرُ مما عليه، وإذا التزم أكثرَ من الدينار في السنة، وقضينا بأن الوفاء بالملتزَم واجب، فلو نقض العهد، فقد ذكرنا أنّا لا نغتاله، فلو أنه بعد نبذ العهد طلب منا تجديد العقد بدينارٍ، لزم إسعافه، فعلى هذا يَضْعُفُ أثر الالتزام أيضاً، ولكن إن لم يكن الكافر عالماً بما ذكرناه حتى تمر السنة، فلو نبذ العهد، طالبناه بالخروج عما التزمه في السنة الماضية، وإن مضى بعض السنة، فهذا يخرج على موته في أثناء السنة.
فإن قلنا: إذا مات الذمي في أثناء السنة يجب قسط من الجزية، على ما سيأتي مشروحاً، إن شاء الله تعالى. فإذا التزم أكثرَ من الدينار، ومضت أيام، ثم نقض وعاد، فيلزمه لما مضى قسط من الجزية التامة التي التزمها.
وأوجب أبو حنيفة على الفقير المعتمل ديناراً، وعلى الغني أربعة دنانير، وعلى المتوسط دينارين.
11445- فإن قيل: إذا كنتم لا تفرقون بين الغني والفقير والمتوسط فيما يقع الاكتفاء به من الجزية، فما قولكم في الكافر الفقير إذا كان لا يستمكن من أداء دينار؟ قلنا: الفقير الكسوب المعتمل القادر على أداء دينار، يُقرّ ويطالب بالدينار في السنة.
فأما إذا كان لا يستمكن من تحصيل الدينار، فقد نقل الأصحاب قولين في أنه هل يخرج من دار الإسلام؟ أحدهما- أنه يخرج، فإنه لا سبيل إلى شغل عرصات دار الإسلام بالكفار من غير جزية يبذلونها. والقول الثاني- أنه يقر.
ثم على هذين القولين قولان:
أحدهما: أنه يترك في الدار من غير جزية، حتى لو انقضت سنون، وهو لم يملك فيها ما يؤديه، ثم ملك، فالمؤاخذة تقع من وقت الملك، ولا مطالبة عليه في مقابلة ما مضى. والقول الثاني- أنه يقرّ في دار الإسلام بجزية يلتزمها، وتستقر في ذمته، فإذا ملك يوماً طولب بما استقر في ذمته من السنين الماضية. وهذا القول أمثلُ؛ فإن تقرير الفقير سنين كثيرة بلا جزية يخالف وضع الشرع.
والأصح أن الفقير الذي ليس معتملاً لا يتمكن من دخول دار الإسلام، والمقام فيها سنة. والفقير المعتمل إذا تراخى ولم يكتسب مع القدرة على الكسب، فلا يُقَر في دار الإسلام إجماعاً، وإذا فرعنا على القول الضعيف، وهو أن الفقير يُقرّ ولا يؤاخذ بجزية الأيام الماضية في الفقر، فلو ملك في أثناء سنةٍ شيئاً؛ تطرق إلى هذه الصورة احتمال، فيجوز أن يقال: تبدأ سنة الجزية من وقت ملكه، حتى إذا مضت سنة أدى ديناراً، ويجوز أن يقال: نضبط التواريخ، ونعطل منها سني الفقر، فإذا مضت من السنة الآخرة أشهر، فملك فيها واستغنى، فإذا انقضت هذه السنة، يطالب، ثم يتجه على المطالبة أن يطالب في آخر هذه السنة التي انقسمت إلى الغنى والفقر بالدينار الكامل.
فصل:
قال: "فإن صولحوا على ضيافة... إلى آخره".
11446- إذا قبل الكفار ضيافةً سوى الدينار الملتزم، ضربها الإمام عليهم، وقد روي ذلك عن عمر بن الخطاب: "أنه ضرب الضيافة على بني تغلب، وبَهْراء وتَنوخ، ثم ألزمهم أن يضيفوا من يطرقهم من أبناء السبيل".
وأول ما نصدّر الفصلَ به صفةُ الضيافة، ثم نتكلم في فقه الفصل، فالمعتمد في ضرب الضيافة قضاء عمر، ثم فيها مصلحة بيّنة، لا حاجة إلى تقريرها، فينبغي أن يبين لكل واحد عدداً معلوماً من الضيفان في كل شهر أو شهرين، أو في السنة، ويبين الطعام والأُدم، جنساً، وقدراً، ويوضح علف الدواب، ويذكر منازل الضيفان، ويفرق بين الفقراء من الكفار والأغنياء، وينبغي أن يقع التفاوت في عدد الضيفان، فيوظف على الغني عشرة مثلاً، وعلى المتوسط خمسة، وعلى الفقير ثلاثة، أو على وجه آخر يؤدي إليه اجتهاده. ولا ينبغي أن يكون التفاوت في صفات الطعام والإدام، ولو فعل ذلك، لمال الضيفان إلى أطايب الأطعمة، والمنازل الطيبة.
وُيبيِّن أن الضيفان يقيمون ليلة، أو يوماً وليلة، أو أكثر على ما يقع التوافق عليه.
ولعل الأشبه ألاّ تزيد المدة على الثلاث تأسياً بقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام، وما زاد صدقة» وقال صلى الله عليه وسلم: «الضيافة ثلاثة أيام، والإجازة يوم وليلة» والإجازة إعطاء الجائزة، من قولهم: أجازه يجيزه، ومعناه أن يزوّد الضيف ليومٍ وليلة إذا رحل، ويضيفه في الإقامة ثلاثَ ليالٍ.
ولو حصل التوافق على مزيدٍ في الليالي، فلا معترض. ثم الضيافة التي ضربها عمرُ كانت للطارقين من غير اختصاصٍ بأهل الفيء، فإن هذا لو كان على الاختصاص، لأفضى إلى نزاع، فكان الأليق بالمصلحة المطلوبة تعميم الضيافة، وفي طروق أهل الذمة على المضيفين تردّد إن كان ضربُ الضيافة مطلقاً.
هذه صفة الضيافة.
11447- ثم يتصل بمنتهاها تردّدات للأصحاب في فقه الفصل: فمما اختلف الأصحاب فيه أن الضيافة هل يجوز احتسابها من الجزية، أم حقها أن تكون زائدة على الدينار المأخوذ من كل رأس؟ فمن أصحابنا من قال: يجوز احتسابها من الجزية حتى لا يوظف غيرها؛ فإن المقتدَى في هذا رأي عمر، والذي صح منه أنه لم يطالبهم بالجزية، فهو أحق متبوع؛ سيما فيما يتعلق بالإيالات، ومن أصحابنا من قال: لا يجوز احتساب الضيافة من أصل الجزية؛ لأن التمليك لابد منه في الجزية، وسبيل الإطعام سبيل الإباحة، ولهذا لم تقم التغذية والتعشية مقام الإطعام في الكفارة، والجزية تختص بأهل الفيء، والضيافة لا تختص بهم.
التفريع:
11448- إن قلنا: يجوز احتسابها من الجزية، فينبغي أن نقابل ضربها بالدينار، فإن بلغته وزادت، فذاك، وإن نقصت، طالبنا المضروب عليه باستكمال الدينار، وإن قلنا: لا تحتسب، فالدينار مطلوب، والضيافة مطلوبة، ولابد من طلب رضاهم في قبولها، ثم إذا تقبلوها في الذمّة، لزمت لزوم الزائد على الدينار.
ولو ضرب عليهم ضيافة ثم أراد نقل المؤن إلى الدينار، وأَخْذِه منهم، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أن ذلك جائز؛ فإنه لا إجحاف عليهم في ذلك، وأصل الأموال الملتزمة في الذمة الدنانير.
والثاني: لا يجوز إلا أن يرضوا، لأنهم التزموا الضيافة بالرضا، فلابد من طلب رضاهم.
والصحيح عندي أن الضيافة إن رأيناها محسوبة من الدينار الذي هو الأصل، فللإمام ردّها إلى الدينار، وإن كانت الضيافة زائدة على الدينار، فالوجه القطع بأنه لا يملك ردّها إلى الدنانير، ثم إن قلنا: له الرجوع إلى الدنانير فهل تبقى الدنانير لعموم المصالح كالضيافة، أم تختص بأهل الفيء؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أنها تعود إلى أهل الفيء؛ إذ كان القياس في الضيافة أن تكون كذلك، إلا أنها أثبتت على العموم لمسيس الحاجة إلى تعميمها، وتعذّر رعاية تخصيص الطارقين، فإذا ردّت إلى الدنانير، زال السبب الذي كان يقتضي التعميم.
فصل:
قال: "ولا تؤخذ من امرأة، ولا مجنون حتى يُفيق... إلى آخره".
11449- النساء لسن من أهل التزام الجزية وقد كتب عمر إلى أمراء الأجناد: "لا تأخذوا الجزية من النساء " ولأنهن لسن من أهل القتال، والجزية جزاءُ الانكفاف عن القتال، ولو بذلت امرأة مالاً باسم الجزية، كان حقاً على الإمام أن يخبرها بأنها غيرُ واجبةٍ عليها، وليس التزامها لأصل الجزية بمنزلة التزام الرجل ما يزيد على الدينار؛ فإنه إذا كان من أهل الجزية، وهو في حكم العوض، فزيادته على الأقل بمثابة الزيادة في ثمن ما يقابَل بالثمن. هذا هو الأصل في الباب.
والصبيان لا يقابلون بالجزية، وكذلك المجانين، وكل من يرِق بنفس السبي بمثابة النسوان. والمجنون يرق كما يرق الصبي.
11450- ثم استيفاء مقصود الفصل يستدعي تقديم قاعدة بدّدها الأصحاب، فلفّقناها من كتبٍ، ولابدّ من ضبطها والإحاطة بها، ثم بعد هذا نخوض في المقاصد، فنقول: النسوان الحربيات لو دخلن ديار الإسلام، بلا أمان، سبيناهن على مكانتهن، وكذلك القول في الصبيان، وكل حكم نُجريه في القتال، فهو مُجْرى فيمن نظفر به من غير ذمة ولا أمان، كالقتل في المقاتلة من الحربيين، ولو وجدنا كافراً بلا أمان، اغتلناه، وقتلناه. وقد قال شيخي وغيره من المحققين: لو دخل الفقراء من الكفار دار الإسلام، لم نمكنهم قولاً واحداً، واغتلناهم، فلو عقدنا الذمة لمن يقدر على أداء الجزية منهم، فافتقر، فما ذكرناه من تردّد النصوص، واختلاف الطرق في هذا الفقير فإنا لو جوّزنا إقرار فقراء الكفار في ديار الإسلام ابتداءً، لزحفوا إلينا يطلبون الذمة، وهذا محال تجويزه.
فنعود إلى النسوان والصبيان، فنقول: إذا عقدنا للكافر ذمةً، فليس له أن يستتبع من الأجانب الذين لا يتصلون به ذراري ونسواناً، فإن ذلك يخرج عن الضبط، وإنما يستتبع الذمي من يتعلّق به بسبب أو نسب، كما سنفصله، إن شاء الله تعالى.
والترتيب الضابط فيه أنه لا يستتبع أجنبية منه لا نسب بينها وبينه، ولا سبب، ولو شرط إدخالَها في الأمان المؤبد، لم تدخل؛ فإنه لو دخلت واحدة، لدخل جمع منهن، ثمّ لا ضبط، وهذا يُفضي إلى استتباع الرجل نسوة لا يُحصَيْن كثرة من الحربيات اللواتي بينه وبينهن قرابة، إذا لم يكنّ على عمود نسبه، يندرجن إذا شرط إدراجهن، ولا يندرجن في غير شرط، ثم إذا كن يدخلن بالشرط، فالذي أراه أنه لا يجوز ترك إسعافه بالشرط، ولكن لو لم يتفق منه الشرط، لم يدخلن، ولا يختص الحكم في هذا القسم بالمحارم من القرابات، بل يجري في جميعهن.
أما صبيان الذمي، فهل يدخلون من غير شرط؟ فيه وجهان:
أحدهما: لا يدخلون كغيرهم من القرابات.
والثاني: يدخلون، لقرينة الحال؛ فإن الرجل لا يتوطّن بلده إلا مع صغار أولاده في غالب الأمر، فصارت الحال كالتصريح بالشرط.
وأما الزوجات فيهن طريقان:
أحدهما: أنهن كالصبيان.
والثاني: أنهن كالقرابات اللواتي يقعن على جانب، والأصهارُ والأحماء لا يندرجن مطلقاً، وفي اندراجهن مع الشرط خلاف. هذا قولنا في النساء اللواتي يتصلن بالذمي، والصبيانُ في معنى النساء.
ولا يخفى على المحصل أن الرجال المستقلّين من بنيه وآبائه وأجداده لهم أحكام أنفسهم، ولا يتصوّر أن يُتبَعوا؛ فإنهم من أهل الاستقلال، فإذا كنا لا نقر فقيراً من غير جزية، فلا نُتبعه أيضاً غنيّاً وإن كان قريبَه. وهذا متفق عليه.
11451- ومما ذكره الأصحاب عن النسوان أنا لو انتهينا إلى قلعة، ولم نصادف فيها إلا النسوان، فإن فتحناها، جرى الرق عليهن، وإن قلن: نبذل الجزية فانكفوا، فقد ذكر الأصحاب وجهين:
أحدهما: لا حكم لالتزامهن؛ فإنهن لسن من أهل الجزية. والوجه الثاني- أنه يجب أن ننكف عنهن، فإن أصحاب القلعة لو كانوا رجالاً، وقبلوا الجزية، تركناهم، وأضربنا عنهم، فإذا كنا نحقن دماء الرجال منهم، فيجب أن نعصم رقاب حرائرهم عن الرق ببذل الجزية؛ فإن الاسترقاق دون القتل.
فهذان وجهان يحسبهما من لا يتولعّ بالطلب جاريين في فرعٍ واقع نُبديه، وهو أصل؛ فإنا إذا رأينا صونهن عن الرق في الصورة التي ذكرناها، فيلزم لا محالة أن نقول: كل حربية بذلت الجزية، لزم عصمتها عن الرق، وعلى هذا الوجه يرجع نفي الجزية من النسوان إلى الصور التي نُتْبعهن فيها الرجلَ الذمي؛ فإن الرجل يُعصَم بالجزية، فيشمل الأمانُ أهلَه ومن يتصل به، وهذا على نهاية الضعف، وهو يخرم قاعدةً ممهدة لا سبيل إلى خرقها؛ فإن المرأة لو كانت من أهل الجزية بنفسها، لما تبعت، ولو كانت الجزية في حقها تصونها من الرق، كالجزية في حق الرجل تصونه من القتل، فلا وجه لقول من يقول: تقبل الجزية من النسوان إذا لم يكنْ في القلعة غيرهن.
وقد ذكر القاضي هذا الخلاف، ونقل عنه من يوثق به أنهن يبذلن على أحد الوجهين ما يبذلن، ثم لا يتكرر عليهن؛ فإنه لو تكرر، لكان جزية محققة.
وهذا الكلام، وإن كان صَدَرُه عن محاذرة إلحاق النساء بالرجال، فهو كلام مضطرب؛ فإن ما ذكره لا يكون جزية إذاً. وإنما يكون سبيله سبيل المفاداة، ثم يلزم منه ألا يستفدن بما يبذلن إلا الإعراض عنهن في هذه الكرّة؛ إذ من المحال ألا يتكرر عليهن البذل ويتأبد لهن الأمان.
ثم الرجال لو بذلوا مالاً من جهة المفاداة، لم يُعصموا، فإن كان الأمر في هذا إلى رأي الإمام، فلا معنى إذاً لقول القائل: هل يجب علينا قبول المال منهن، بل يجب أن يقال: الأمر إلى الإمام. وسنذكر، إن شاء الله تعالى ما يبذله أهلُ المهادنة من الأموال لا على سبيل الجزية.
ومما ذكره الأصحاب في هذه المسألة، وهو كلام مختلط أيضاً أنهم قالوا: لو كان في القلعة رجل واحد، فبذل الجزية، كان ذلك عصمة لكل من في القلعة من النسوان، ولست أدري كيف يجري بمثل هذا لسانٌ أََنِس بالفقه؛ والرجل الواحد لا يستتبع إلا من يتصل به، كما ذكرناه في صدر الفصل.
وبالجملة إن كان المال من فن المفاداة قبل الظفر، فلا يختص به الرجال عن النساء، والأمر إلى رأي الإمام، ثم لا يجوز له أن يبذل لهم عصمة مؤبدة بدنانير يستعجلها، ولكن إنما تثبت العصمة إذا بذلوا المال على تفصيلٍ، سأذكره في المهادنة، إن شاء الله تعالى.
11452- وأما المماليك فأموالٌ، لا يتصور ضربُ الجزية عليهم، ويتبعون سادَتَهم من غير ذكر، وتشتمل العصمة عليهم اشتمالَها على سائر الأموال.
11453- وإذا قبل اليهودي الجزية، وكان له ابنٌ طفلٌ، وأتبعناه إياه، فإذا بلغ الطفل، فقد ذكر العراقيون وصاحب التقريب في حق ولده إذا بلغ وجهين:
أحدهما: أنه لابد من عقد ذمة معه؛ فإنه استقلّ بنفسه، والعقد الذي عقدناه على أبيه لا يكفيه؛ فإن التبعية قد زالت، والذي يحقق ذلك أنا أتبعناه إياه من غير غُرم، فليس على الأب إلا الدينار الموظف عليه. والابن إذا بلغ لا يقرّ من غير دينار، فلابد من عقدٍ، والوجه الثاني- أنا نكتفي بعقد أبيه، وإذا بلغ استمر عليه حكم العقد غيرَ أنه لم يكن مقامه معه مقابلاً بغُرم، والآن بعد ما استقل تجري عليه الذمة، من غير احتياج إلى عقد، وظاهر النص يدلّ على هذا، والأقيس الأول.
وإن قلنا: لابد من عقدٍ جديد معه، فلا يلزمه ما التزمه أبوه في حق نفسه، حتى لو كان التزم أكثر من دينار، وأبى هذا لما بلغ أن يلتزم الزيادة، فلا يلزمه إلا دينار، فإن هذا عقدٌ جديد، ولا حكم لما سبق من أبيه، وإن قلنا: إن عقد أبيه ينعقد في حقه، فيلزمه مثلُ ما التزم أبوه، حتى لو كان التزم أبوه في حق نفسه دينارين أو أكثر في السنة، فعلى الولد إذا بلغ مثلُ ذلك، فإن امتنع من قبول الزيادة كان بمثابة أبيه لو امتنع عن الزيادة بعد التزامها.
ثم إن قلنا: لابد من عقد جديد في حقه، فلا نفرق بين أن يكون الأب قد قال ابتداءًَ: التزمت في حق ابني إذا بلغ مثل ما التزمت في حق نفسي وبين ألا يقول ذلك، فلا حكم لالتزامه عليه عند هذا القائل، فإن الجزية لا تثبت في حق الصبي، وإذا بلغ، فقد استقل بنفسه، وانقطعت عنه الولاية، ومن قال: الذمة تطّرد عليه إذا بلغ، ويلزمه مثل ما التزم أبوه، فعلى هذا لا أثر لالتزام الأب عنه، ولا يكفي أن يلتزم هذا القدر في حق نفسه، ثم الانتساب إليه يوجب مساواته في القدر الملتزَم، كما يوجب اطّراد الذمّة من غير تجديد.
ولو بلغ ابن الذمي سفيهاً غير رشيد، فلابد من الجزية، ثم القول في اطراد الذمة كما سبق. فإن قلنا: لابد من عقدٍ جديد، لم يختلف هذا بأن يكون سفيهاً أو رشيداً؛ فإن الاستمرار تحت العهد ونبذه مما لا يدخل تحت الحجر.
وسئل القاضي عما لو التزم أكثر من دينار دون إذن الولي، فقال: تلزمه الزيادة، وإن لم يأذن فيها الولي، وبناه على أن عقد العهد ونبذه لا يدخل تحت الولاية. وهذا غير سديد؛ فإن أصل العهد كذلك، فأما التزام مال، بلا فائدة، فيجب أن يقبض فيه على يده، حتى لا ينفذ التزامَه الزائد على الدينار.
ولو وجب على السفيه قصاصٌ، فأبى مستحق الدم أن يصالح إلا على أكثر من الدية؛ فإن السفيه يبذلها لحقن دمه، ولو لم يبذلها السفيه، فالولي المتصرف في نفسه هل يبذل ماله لحقن دمه إذا كان السفيه لا يطلبه، أو ينهى عنه؟ الوجه عندنا أن يقال: للولي أن يحقن دمه كما أنه يتدارك رمقه وإن احتاج إلى استيعاب ماله لطعام يحصله له.
فإن قيل: لو لم يفعل الولي ذلك؟ قلنا: يفعله السفيه. فهذا التصرف يجب أن يكون دائراً بينهما. والوجه أن يراجع الولي فيه إذا أمكنت مراجعته، فإن عسرت المراجعة أو امتنع الولي، فيستقل السفيه بحقن دم نفسه، وإن احتاج إلى بذل ديات، وليس هذا كالجزية التي نحن فيها؛ فإن حقن الدم ممكن بدينار، والصلح عن الدم مفروض فيه إذا كان مستحقه لا يرضى بمقدار الدية، والحق له، وقد يخطر للفقيه أن السفيه إذا أبى أن يصالح، فليس لوليه التصرّف في دمه، وهذا بعيد؛ فإن ماله صين عن الضياع بنصب الولي استصلاحاً، فدمه أولى بالحقن إذا حَقَّت الضرورة.
11454- ومما نلحقه بمقصود الفصل أَخْذُ الجزية من أصحاب الصوامع والشيوخ الزمنى، والذين قلنا في قتلهم قولان، وللأصحاب طريقان: منهم من قطع بأخذ الجزية؛ فإنهم من جنس الرجال المقاتلة، ومنهم من خرّج في أخذ الجزية منهم قولين مبنين على جواز قتلهم، فإن قلنا: إنهم لا يقتلون، فهم ملتحقون بالنساء والذراري.
11455- فأما من يجن تارة ويُفيق أخرى، فقد اضطرب الأصحاب فيه في حكم الجزية، وحاصل ما وجدته أوجهٌ، آتي بها، وأذكر-على حسب الإمكان- وجوهَها، فنقول: أولاً لا يضرب على المجنون الجزية، فأما إذا كان يجن مرة، ويُفيق أخرى، فمن أصحابنا من قال: يعتبر آخر الحول في أخذ الجزية، فإن كان في ذلك الوقت مُفيقاً، ألزمناه الجزية، وإن كان مجنوناً قبل ذلك في جميع الأوقات، أو معظمها، وإن كان مجنوناً في ذلك الوقت لا جزية عليه، ولا اعتبار بالإفاقة من قبل، وهذا القائل يُشبِّه ما ذكرناه من اعتبار الفقر واليسار في حق العاقلة، فإنا نعتبر فيهما آخر الحول.
ومن أصحابنا من قال: إذا كان يجن ويُفيق، فلا حكم للجنون المتخلّل، بل هو كالغشية تطْرأ، فتجب الجزية على هذا الشخص.
ومن أصحابنا من قال: النظر إلى الأغلب، فإن كان الأغلب زمان الإفاقة، وجبت الجزية، وهذا القائل يقول: إذا استوى الزمانان، نغلّب وجوب الجزية.
ومنهم من قال: تلفق أيام الإفاقة، وتهدر أيام الجنون، فمهما بلغت أيام الإفاقة سنة، وجبت الجزية.
وذكر الشيخ أبو علي وجهاً خامساً في الشرح، فقال: من أصحابنا من قال: إذا كان يجن ويُفيق، فلا جزية عليه أصلاً، وإن كان زمان الإفاقة أغلب، فجعل طروءَ الجنون مؤثراً في إسقاط الجزية، وهذا كما أن الرق لما نافى ضرب الجزية، فكذلك بعضه ينافي الجزية، فلا جزية على من بعضه حر، وبعضه رقيق، وهذا بعيد.
ثم قال: هذا إذا كان الجنون والإفاقة متعاقبين يفيق يومين أو ثلاثة، ويجن يوماً، فالجنون، والإفاقة متعاقبان، ثم لا نظر إلى زيادة زمان الإفاقة، فلو كان يُفيق يومين أو ثلاثة ويجن يوماً، فلا حكم للإفاقة. فأما إذا كان يجن في الشهر يوماً واحداً، فلا يقال: الجنون والإفاقة متعاقبان، ولكن الجنون في حكم العارض يعرض، والحكم للإفاقة.
وهذا الذي ذكره من التفصيل لابد منه، ولكنه كلامٌ غير منضبط، واضطرابه يدلّ على فساد أصله. ثم الممكن في التقريب أن يقال: إذا كان يجن يوماً ويُفيق يومين، فالإفاقة في اليومين غير موثوقٍ بها، وهو فيها بمثابة مجنون يغتلم يوماً ويهيج، ويسكن ما به يوماً أو يومين، وللمجنون تارات قد يهداً ويسكن، وقد يغتلم ويتعدّى حدّ الاعتدال، فالوجه أن نقول: إذا كان زمان الإفاقة بحيث يقع فيها آثار الجنون، فهو ملحق بالجنون، وإن طال بحيث لا يتوقع فيه آثار الجنون، فيجوز أن يقال: الحكم للإفاقة. وهذا في التحقيق تمسك بالغلبة، وقد ذكرنا عن بعض الأصحاب وجهاً: أنا ننظر إلى أغلب الزمانين، ولكن بين الوجهين فرق؛ فإن ما حكيناه في أثناء الأوجه المرادُ به أن يكون أحد الزمانين أكثر ولو بلحظة. وما ذكرنا آخراً، فالمراد به ما بيناه. والفرق بين الوجهين ظاهر لمن تأملهما.
وقد ذكرنا فيما ذكرنا وجهين متضادين:
أحدهما: أن الجنون بين الإفاقتين كالغشية، والآخر أن الإفاقة بين جنونين كهدوء مجنون على اغتلامه. ولابد من التفصيل في الوجهين جميعاً، أما تفصيل إلحاق زمان الإفاقة بالجنون، فقد قدّمناه، وأما إلحاق الجنون بالغشية، فبعيدٌ جدّاً إذا طال الزمان وتمادى بحيث تُخاف بوادره في زمان الإفاقة.
وإن كان زمان الإفاقة نقياً من بوادر الجنون وتوقعها، فلست أرى الجنون غَشْيةً مع هذا إلا أن يكون على حدٍّ يمكن تقريبه من طريق التشبيه من اغتلام الرجل الصفراوي في هيج النفس وثوران الغضب، فإن لم يكن كذلك وكان جنوناً محققاً، فلا وجه لهذا الوجه.
هذا بيان ما يكاد يعضل. وأَقْصَد هذه الوجوه تلفيق أيام الإفاقة، واعتبار آخر الحول.
فإن قيل: لو كان مجنوناً في جميع السنة إلا في اليوم الأخير، فيبعد إيجاب الجزية. قلنا: هذا مجازفة في التصوير، فإن من يجن سنة ثم حسب مفيقاً في يوم، ثم طبق عليه الجنون في سنة مستقبلة، فليس في وضع الجبلّة تحقُّقُ الإفاقة في مثل هذا اليوم، وإنما يتصوّر هذا إذا اطردت الإفاقة في السنة المستقبلة، فيحتمل الجنون فيما تقدم.
11456- فإن قيل: هذا التردد الذي ذكرتموه في الجزية هل تطردونه في سائر الأحكام التي يؤثر الجنون والإفاقة فيها؟ قلنا: لا يجري في سائر الأحكام اعتبار آخر الحول ولا التلفيق، وإنما تغليب الجنون، أو تغليب الإفاقة، أو تخصيص الجنون في زمانه بحكمه، وتخصيص الإفاقة في زمانها بحكمها.
فإن قيل: إذا كان يجن يوماً، ويُفيق يوماً، فوقع في الأسر مثل هذا الشخص، فهل تقولون: إنه يُرقّ؟ قلنا: إن غلبنا الجنون، رُق، وإن غلبنا الإفاقة، لم يرق، ويتجه أن يعتبر يومُ السبي، وأما قبله وقد تحقق أنه كان يجن ويُفيق، فإن غلبنا الجنون، لم يقتل، وإن غلبنا الإفاقة على التفصيل المقدم، فالظاهر الحقن، وقد يخطر للناظر اعتبار يوم الأسر، وإنما إشكال هذه المسألة من جهة أنه لا يجتمع الجنون والإفاقة في شخص حتى يقال: اجتمع فيه ما يحظر القتل وما يُبيحه، فالتغليب للحاظر، ولو صادفناه مفيقاً، فلسنا نقطع بأنه سيجن. فمن اعتبر الحال، فهذا وجهه. والعلم عند الله تعالى.
وقد انتجز القول فيمن تقبل منه الجزية، ويقرّ في الدار بها، وفيمن يُتبَع ولا يستقل بالتزام الجزية. ثم ذكر التغايير التي تلحق وتزول.
فصل:
قال: "وأيهم أفلس أو مات... إلى آخره".
11457- إذا مضت سنة على الذمي، فمات، استقرت وظيفتها في ذمته، تؤدى من تركته، من رأس المال مقدماً على الوصايا وحقوق الورثة، ولا تسقط الجزية بتداخل السنين.
وقال أبو حنيفة: إذا مضت سنة، ولم نستأد الجزية، سقطت، ولو كان هذا قولَه، فلو مات بعد مضي السنة، فلا تؤخذ الجزية من تركته. وعندنا إن بقي بعد السنة، طولب في حياته، وإن مات أُخرج من تركته بعد مماته.
ولو أسلم بعد مضي السنة، فهو مطالب بالجزية التي استقرت عليه قبل الإسلام، ولو مات الذمي في أثناء السنة، وقد مضى شطرها، ففي المسألة قولان:
أحدهما: أنه يجب مقدارٌ من الجزية على قدر الزمان الماضي؛ فإن مضى شَطرُ السنة، وجب نصف الجزية وإن مضى عُشرها، فالواجب مقداره من الجزية، هذا أحد القولين، والقول الثاني- أنه تسقط الجزية بكمالها، فلا يجب من جزية هذه السنة شيء.
قال المحققون: حقيقة القولين ترجع إلى أن الجزية هل تجب بأول السنة أم يدخل وقت وجوبها عند انقضاء السنة؟ فمن قال: يدخل وقت وجوبها بدخول آخر السنة، يقول: إذا مات في أثناء السنة لم يجب من الجزية شيء، ومن أضاف وجوبها إلى أول السنة، قال: إذا مات في أثناء السنة، وجب من الجزية قسطٌ على قدر ما مضى من السنة.
11458- ثم اختلفت عبارة الأصحاب في إضافة الوجوب إلى أول السنة، فقال قائلون: تجب الجزية بأول السنة دفعة واحدة، ولكن يستقر الجزء بعد الجزء. وقال قائلون: معنى إضافة الوجوب إلى أول السنة انبساط الوجوب على جميع الأوقات.
فأما الحكم بوجوبها دفعة واحدة في أول السنة فلا. والوجهان محتملان، ثم يجب عليهما جميعاً، قسط من الجزية إذا فرض الموت في أثناء السنة، ولو أسلم، كان في حكم الجزية كما لو مات.
ومما يتعلّق بهذه المسألة أنا إذا قلنا: الموت في أثناء السنة لا يستعقب وجوب شيء من الجزية، فلا كلام، وإن قلنا: يجب قسط من الجزية، فلو أراد الإمام مع استمرار الذمة أن يطلب نصف الجزية مع انقضاء نصف السنة، فهل له ذلك؟ فعلى وجهين:
أحدهما: أنه ليس له ذلك، لأن الطلب في آخر السنة عند استمرار الأحوال، بذلك جرت سُنن الماضين، وسِيَر المتقدمين، ولعل الجزية موضوعها على الإمهال كالزكاة.
ومما يتعلّق بالمسألة أنه لو مات، فقد استقرت عليه الجزية: أما إذا مات بعد السنة قولاً واحداً، أو مات في أثنائها على أحد القولين، فالجزية تؤدى من تركته، وهي مقدمة على الوصايا، وحقوق الورثة.
ولو كان في تركته ديون للآدميين، فكيف السبيل؟ اختلف أئمتنا في أن الجزية يُنحى بها نحو حقوق الله تعالى، كالزكاة، أو يُنحى بها نحو حقوق الآدميين، فمنهم من قال: هي من حقوق الآدميين، فإن مصرفها إلى المرتزقة، وليست من القُرَب، فعلى هذا الجزية كسائر ديون الآدميين تُسْتَحق، ثم في تقديم حقوق الله تعالى على حقوق الآدميين ثلاثة أقوال: أحدها: أن المقدّم حق الله تعالى.
والثاني: أن المقدّم حق الآدمي. والثالث: أنهما يتساويان ويتصادمان. وقد قدّمنا هذه الأقوال في مواضع من الكتاب؛ فلا نعيد توجيهها، وتفصيلها.
فصل:
قال: "ويشترط عليهم أن من ذكر كتاب الله تعالى، أو محمداً صلى الله عليه وسلم... إلى آخره".
11459- المقصود الأظهر من الفصل، الكلام فيما ينقض الذمة، ولا ينقضها، ونحن نصدّر الفصل بنوعين من الكلام:
أحدهما: كيفية عقد الذمة، والآخر- معنى جريان الأحكام على أهل الذمة.
فأما كيفية عقد الذمة، فقد قال العراقيون: إذا عقدت الذمة، فلابد من ذكر الجزية؛ فإنها عماد الذمة ومثلُها الاستسلام لجريان الأحكام. لابد من ذكر هذين، ولو لم يُذكرا، لم يصح العهد، وصرّحوا باشتراط التلفظ بما ذكرناه.
وذكر القاضي ذلك أيضاً على هذا الوجه.
أما قياس المراوزة، فهو أن الجزية لابد من ذكرها، وأما ذكر الاستسلام للأحكام، فيجب ألا يشترط، ولا يجب التعرض له؛ لأن استسلامهم من حكم الذمة، ولا حاجة إلى ذكره، واشتراط ذكره بمثابة اشتراط ذكر الملك في البيع.
ومعتمد العراقيين أن كل ما يُنقض العهد به وجهاً واحداً، فلابد من ذكره، وسنبين أن امتناعهم عن بذل الجزية، وعن جريان أحكامنا عليهم يوجب نقض عهدهم.
ثم استتم العراقيون التفريعَ على ما ذكرناه، وقالوا: يجب ذكر الجزية والاستسلام للأحكام وجهاً واحداً.
وهل يجب أن يذكر في الذمة ألا يتعرضوا للأنبياء بذكر السوء؟ ذكروا وجهين في اشتراط ذلك:
أحدهما: أنه يشترط ذكر هذا؛ إذ بهذا تحصل المكافّة، وترك التعرّض منهم لنا، ومنّا لهم. والوجه الثاني- أن ذلك لا يشترط؛ فإنا إذا ذكرنا استسلامهم لأحكامنا، كفى ذلك، ومن أحكامنا أن نمنعهم عن التعرض، حتى إن تعرّضوا سيأتي حكم الإسلام فيه، إن شاء الله تعالى.
هذا بيان عقد الذمة.
ثم للأصحاب تردّدٌ في أن الذمة المؤقتة هل تنعقد؟ وسنذكر هذا في باب المهادنة، إن شاء الله تعالى عند ذكرنا وجوب التأقيت فيها، وعندها نذكر أن الذمة هل تنقضي باستشعار الخوف قبل تحققه، وسيأتي إن شاء الله تعالى.
11460- فأما النوع الآخر الذي نريد ذكره، وهو أن الأصحاب أطلقوا أن أحكامنا جارية عليهم، وقد قدّمنا غير مرة اختلاف القول في أنهم إذا جاؤونا راضين بأحكامنا، فهل يلزمنا أن نحكم بينهم؟ فعلى قولين، فكيف سبيل الجمع بين هذا، وبين إطلاقنا القول بأن أحكامنا تجرى عليهم؟
قال العراقيون في ذلك: المراد بإجراء الأحكام عليهم أنهم إذا فعلوا ما هو محظورٌ في دينهم، وكانوا لا يستحلّونه، فيجري حكم الله عليهم، إذا كان لا يتعلّق بالدعوى، وهذا بمثابة ما لو زنى واحد منهم، وثبت زناه عند حاكم المسلمين؛ فإنه يقيم على الزاني حدّ الله تعالى، ولا حاجة إلى رضاه بحكمنا، وارتفاعه إلى مجلسنا، بل إذا شهد على زناه أربعة من عدول المسلمين، أقمنا الحد، وهذا الذي ذكروه حسن، ولم أر في طريق المراوزة ما يخالف هذا، وهو متجه.
فأما ما يستحلّونه، فهو منقسم إلى الخمر، وغيره، فأما إذا شرب الخمرَ واحدٌ منهم، فالمذهب أنا لا نقيم عليه الحدّ، وإن رضي بحكمنا، وفيه خلاف، وقد قدمنا في ذلك كلاماً بالغاً.
وأما غير الخمر، فإذا نكح واحد من المجوس واحدةً من محارمه، فلا نتعرّض له، وإن ارتفعوا إلينا، ورضوا بحكمنا، فهذا يخرج على القولين في أنه هل يجب الحكم؛ فإن التزمناه، حكمنا عليهم بحكم الإسلام؛ فإن القاضي يستتبع الخصوم في الحكم عليهم. وقد ذكرنا هذين القولين في أبوابٍ، وموضع استقصائهما أدبُ القضاء.
والغرض من ذكرهما الآن أنا حكينا من طريق العراقيين أن حد الزنا يقام عليهم، وكذلك حد السرقة، وهذا الذي ذكروه لا أنكر اتجاهه، بناء على أنا أقررناهم في دارنا على ألا نتعرّض لهم في موجَب دينهم على شرط ألا يتظاهروا به، ولا يظهروه، فأما إذا خالفوا دينهم، فالحكم جارٍ عليهم. هذا مسلكهم.
والذي أراه في ذلك أن من زنى منهم بمسلمة، أو سرق مال مسلم، فالحكم جارٍ عليهم؛ فإن الحكومات إذا تعلّقت بالكفار والمسلمين، فيجب على القاضي أن يحكم فيها على الكلفار أو لهم قولاً واحداً، وإذا اتصل الزنا بمسلمةٍ، أو فرضت السرقة في مال مسلم، فإجراؤنا الحكمَ عليهم على قياس قطعنا القولَ بالتزامهم أحكامنا، إذا كان خصومهم المسلمين.
فأما إذا زنى كافر بكافرة، أو سرق كافر مال كافر، فالذي أراه يخرج على القولين؛ فإنهم كما حرموا الزنا في دينهم، والسرقة، فكذلك حرموا الغصب، وتغييب الودائع وجحدها، ثم الخصومات الدائرة بينهم في هذه المعاني تخرج على القولين، ولا فرق إلا أن ما يختص بالأموال يفتقر إلى تقدّم الدعوى، وثبوتُ الزنا لا يتوقف على فرض الدعوى، والسرقة قد تتعلق بالدعوى، فيجب تقريب الأمر على ما ذكرناه.
11461- ومما نذكره قبل الخوض، في نواقض العهود، أنا إذا عقدنا الذمة، التزمنا لهم كفَّ الأذى عنهم، وعدَم التعرض لهم فيما يرونه بين أظهرهم-ما أخفَوْها- فلا نريق خمورهم ولا نقتل خنازيرهم، ولا نتعرض لبياعاتهم ومناكحاتهم فيما بين أظهرهم.
وهل يجب علينا أن نذب الكفار عنهم؟ يعني أهل الحرب؟ فإن كانوا في بلاد الإسلام؛ فإنا نضطر إلى الذب من غير قصدٍ ينصرف إليهم؛ فإنه يتعين علينا حمايةَ بلاد الإسلام عن طروق الكفار، وإذا نحن فعلنا هذا، فيحصل به الذب عنهم لا محالة.
ولو كان الذمي في دار الحرب لكنه التزم الجزية، وعقدنا له الذمة، فيستحيل أن نلتزم ذب الكفار عنهم؛ فإن هذا مما لا يحيط به الاستطاعة، والإطاقة.
ولو كان أهل الذمة في بلدةٍ متاخمة لبلاد الإسلام من جهةٍ، ولبلاد الكفار من جهة، وكان ذب الكفار عنهم ممكناً، فهل نلتزم ذلك لهم بمطلق الذمة؟ فعلى وجهين:
أحدهما: لا نلتزم ذلك؛ فإن الغرض بعقد الذمة أن يأمنونا ويؤمِّنونا، فإذا كفيناهم بوادر أجنادنا، وكففنا الأيدي عنهم، كفاهم ذلك، والدليل عليه أنهم لا يلتزمون، الذبَّ عنا إذا تغشانا جمعٌ من الكفار، ونحن لا نلتزم لهم ما لا يلتزمونه لنا.
والوجه الثاني- أنه يجب علينا الذب عنهم إذا تمكنا منهم؛ فإنا بالذمة التزمنا أن نُلحقهم في العصمة والصون بأهل الإسلام، فيجب علينا أن نذب عنهم كما نذب عن أهل الإسلام، وهذا مشهور في الحكاية، والأقيس الوجه الأول.
وما ذكرناه فيه إذا أطلقنا الذمة، ولم نتعرّض لالتزام الذب عنهم، فإن قلنا: لا يلزمنا الذب بحكم الذمة، فلو اشترطنا ذلك، والتزمناه، فالرأي أنه لا يلزمنا الوفاء؛ فإن ما لا يلزم بقضية الذمة، لا يلزم بالاشتراط؛ وفي كلام الأصحاب ما يشير إلى أن الذب يلزم بالالتزام.
وإذا قلنا: مطلق الذمة يقتضي الذب، فلو شرطنا ألا نذب عنهم في محل الوجهين، ونكتفي بالانكفاف عنهم، فالظاهر أن الشرط يثبت، ولا يلزم الذب، وإن كان يلزم في الذمة المطلقة. ومن أصحابنا من أفسد هذا الشرط. ثم في فساد الذمة بالشرائط الفاسدة، كلام سيأتي الشرح عليها في باب المهادنة، إن شاء الله تعالى.
11462- وقد حان أن نخوض بعد ذلك في نواقض العهود. وتمهيد الكلام يقتضي رسمَ ثلاث درجات، هكذا رتبه الأئمة: المرتبة الأولى: ما يوجب نقض العهد من غير أن يفرض فيه شرط، ثم ذكر الأكثرون في هذا القسم ثلاثة أشياء: أحدها: منع الجزية.
والثاني: الامتناع من إجراء الأحكام. والثالث: نصب القتال.
وقضَوْا بأن هذه الخلال الثلاث عماد الذمة، وتركُها نقضُ عقد الذمة.
وفي هذا أدنى تدبّر: أما القتال على ما نعهده من أهل الحرب، فهو مناقضة للذمة؛ فإن الغرض الأظهر منها الأمان المؤبد، فإذا قاتلونا، فقد تركوا موجَب العهد.
فأما منع بذل الجزية والامتناع عن جريان الأحكام، فقد أطلقها الأصحاب، ولم يأتوا فيها بالبيان الشافي، ومطلق ما ذكروه يدل على أن واحداً من أهل الذمة إذا سوّف، ومطل، وامتنع عن تأدية الجزية لما طولب بها مع القدرة على أدائها، فيكون ذلك نقضاً منه، وشرطوا في هذا التمكن من الأداء، فلو اعتراه عجز وأحوجه إلى استمهال في مدة قريبة، فما أرى الأصحاب يقضون بانتقاض العهد والحالة هذه. فأما المطل المحقق، والمدافعة من غير عذر، ففيها قالوا بانتقاض العهد، وليس يبعد أن يقال: امتناع الذمي عن أداء الجزية، ويد القهر ممتدة إليه لا يوجب نقضَ عهده، ولكنا نستأدي منه الجزية قهراً، ويكون امتناعه عن أدائها بمثابة امتناعه عن ديونٍ توجهت عليه للمسلمين، وهذا متجه.
وما ذكره الأصحاب حسن بالغ، لأن الجزية عوض ترك القتال، وهو في حكم ما يتجدد حالاً على حال، فيجوز أن يقال: امتناع المقتدر عليها حطّ منه لعوض ترك القتال، وتركُ القتال لا يستقل بنفسه دون عوض. فإن قال قائل: الجزية الواجبة تقابل ما مضى من الزمان، فما قولكم فيه إذا قال: الجزية المستقرة لا أؤديها، وأؤدي الجزى في مستقبل الزمان؟ قلنا: لم يفصل الأصحاب، ولم يفرّقوا، وإذا بدا منه امتناع، كفى ذلك.
هذا كلامنا في الامتناع من الجزية.
11463- وأما ما ذكره الأصحاب من الامتناع عن إجراء الأحكام، فذلك فيه نظر لابد منه؛ فإن امتنع من امتنع منهم عن الحكم شارداً، أو هارباً، فلست أرى ذلك نقضاً للعهد.
وإن كان الامتناع عن ركون إلى عُدّة، وتقوٍّ بقوة، فالوجه أن ندعوهم حتى يستسلموا، كما فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه في الخوارج، إذ قال لهم: "استسلموا نحكم عليكم " فإن امتنعوا، هممنا بهم، فإن استسلموا، حكمنا عليهم، وإن قاتلوا، آل الأمر إلى القتال الناقض للعهد.
وما ذكرته من ترديد الرأي في منع الجزية والامتناع مستند إلى كلام.
الأصحاب؛ فإن القاضي، لم يذكر في الذي ينقض العهد إلا نصبهم القتال، ولست أبعد أن الأولين ذكروا القتال، وعدّوا منعَ الجزية من أسبابه، وعبروا من الامتناع عن القتال، فإن كان كذلك، آل الأمر إلى أن الناقض بنفسه وذاته القتالُ فإنه منافٍ للأمان.
وإن أراد الأصحاب عدّ منع الجزية، والامتناعَ مغايرين لنصب القتال، فأقصى الإمكان فيه ما قدّمناه، وظاهر ما نقله الصيدلاني أن منع الجزية والامتناعَ متغايران، وهما ينزلان منزلة نصب القتال، ولفظه في الكتاب: "بعض ما يصدر منه نقضٌ للعهد شرط ذلك عليهم أو لم يشرط، مثل منع الجزية، والامتناع عن إجراء أحكام الإسلام عليهم، ونصبِ القتال من غير شبهة " ونصبُ القتال من غير شبهة أراد به أن يستعين بطائفة من أهل الذمة أهلُ البغي، وهذا فصلٌ ذكرته على أقصى الإمكان في التفصيل، وشفيتُ فيه الغليل.
ومما يتعلق بهذا القسم لإتمامه أن الأصحاب جعلوا ما يقع في هذا القسم ناقضاً للعهد بنفسه سواء شرط ذلك أو لم يشرط.
ثم القتالُ فعلٌ يعد ناقضاً، وكذلك ما ألحق به، إن كان يلتحق به غيره، والسبب فيه أن الذمّة جائزة من جانب الذمي، والعهد الجائز إذا انتفى مقصوده بالكلية، لم يبعد انقطاعه، وإن كان الصادر ممن انعقد معه فعلاً، وهذا بمثابة حكمنا بانقطاع الإيداع والائتمان بعدوان المؤتمَن، وإن كانت صيغة الأمن باقية، ولو قاتلناهم، وخالفنا العهد لم تنتقض الذمة؛ لأن الذمة في جانبنا واجبة لازمة، والوفاء بها حتم، ولو أردنا نبذها من غير سبب، لم نجد إليه سبيلاً. هذا منتهى ما حضرنا في هذا القسم.
11464- فأما القسم الثاني- فهو أن يصدر من الذمّي ما هو ممنوع عنه، وكان ممّا يظهر الإضرار بسببه بالمسلمين، فإذا كان فيه إلحاق مضرة عظيمة، فنذكر في هذا القسم ما ذكره الأئمة، وما ترددوا فيه، ونبين حكمه.
فمما اتفقوا عليه، وعدوه في هذا القسم أن يزني الذمي بمسلمة، أو يصيبها باسم النكاح، أو يؤوي عيناً لأهل الحرب، أو يكتب إليهم بأسرار المسلمين، ويطلعَهم على عوراتهم، أو يفتنَ مسلماً عن دينه، فالضرر يعظم بهذه الأشياء، فمنها ما يرجع إلى الإسلام، ومنها ما يرجع إلى معنيين. فإذا صدرت هذه الأصناف منهم، فللأصحاب طريقان: قال العراقيون، وصاحب التقريب: في المسألة ثلاثة أوجه: أحدها: أن العهد ينتقض، كما منعوا الجزية، أو قاتلوا، أو امتنعوا عن إجراء الأحكام، والأوْلى أن نقول في إيضاح هذا القسم: إن العهد ينتقض بما يظهر ضرره، قياساً على ما اشتمل عليه القسم الأول. وقد مضى تفصيل القول في القسم الأول، وتوجيه هذا الوجه، أن ما صدر منهم من هذه العظائم ينافي الأمن والأمان، فشابه ما لو نصبوا القتال.
والوجه الثاني- أن العهد لا ينتقض، لأنهم بما فعلوا، لم يقاطعونا، ولكن صدر منهم منافاة وأسباب هي بالإضافة إلى الذمة كالكبائر، بالإضافة إلى الإسلام.
والوجه الثالث: أنهم إن شرط عليهم انتقاض العهد لو قَدِمُوا على ما وصفنا، انتقض العهد بها إذا صدرت منهم، وإن لم يجر شرط انتقاض العهد لا ينتقض العهد. والقائلان الأولان لا يغيّران ما اعتقداه بالشرط، أما من حكم بالانتقاض مطلقاً، لم يجعل للشرط موقعاً، واعتقد هذه الأشياء منافية بأنفسها، كنصبهم القتال.
ومن قال: لا ينتقض العهد بها، يقول: لو فرض شرطٌ، حمل على التخويف، وتحقيق الزجر. وسيكون لنا في هذا الفن مزيد كشف في القسم الثالث. إن شاء الله.
وأما التفصيل فبيّنٌ. هذه طريقة.
وقال الصيدلاني، وغيره من محققي الأصحاب: إن لم يجر شرطٌ، لم ينتقض العهد بهذه الأشياء، وإن جرى شرطٌ، ففي انتقاض العهد وجهان. وهذه الطريقة إذا ضُمت إلى الطريقة الأولى، انتظم من تضامّهما أنّا في وجهٍ لا نحكم بالانتقاض أصلاً، كان الشرط أو لم يكن. والثماني- أنا نحكم بالانتقاض، كان الشرط، أو لم يكن، والثالث: الفصل، فلا يزيد بالضم وجه.
وربما كان شيخي يقول: من أصحابنا من قال: إذا جرى شرط في الانتقاض، انتقض العهد، وإن لم يجر، فوجهان.
فهذا مجموع ما قيل، وعكس الطريقتين يُشعر بمزيد غَرضٍ في الترتيب، وإلا فلا يشذ على الأوجه الثلاثة شيء.
وما أطلقناه من الشرط أردنا شرطَ الانتقاض لا شرط الانكفاف عن هذه الأشياء؛ فإن نفس الذمة مُزجرة عن هذه الأمور، فلا معنى لذكرها، وهذا مما اتفق الأصحاب فيه، على أنا لا نشترط ذكره في عقد الذمة، وإنما تردُّدُ الأصحاب في التعرض لترك القتال والاستسلام للحكم، وقد قدّمنا فيه ما ينبغي.
11465- ومما يجب الاهتمام به أن طوائف من المحققين ذكروا قطع الطريق في هذا القسم، والقتل الموجب للقصاص، ولم يتعرضوا لهذين آخرون، وتبين لي أنه يسوغ أن يلحق بالمذهب تردّدٌ في القتل وقطع الطريق، فيقال: هما ملتحقان بالقسم الأول في وجهٍ؛ من جهة أنهم إذا قتلوا وقطعوا الطريق، وشهروا السلاح، لم يُبقوا من مناقضة الأمان شيئاً، فلا يبعد التحاق ذلك بالقسم الأول، وليس كالفواحش التي تجري في الاختفاء، ومن جملته السرقة، فإن السارق تحت القهر، وإنما ينتهز الفرص، ويرتاد أوقاتَ الغفلات، ويد القهر ممتدة إليه. هذا وجه.
ويجوز أن يقال: قتل الواحد والآحاد من غير منابذة، ومحاولة مفارقة المسلمين في حكم الكبائر بالإضافة إلى الإسلام. وقطع الطريق، وإن كان فيه مكاوحة، فليس فيه منابذة المسلمين، وإنما هو توثب على الرّفاق، بعُدّة وقوة، مع ارتياد ملازمة الخِطة والدار، وهذا يحوج إلى مزيد تقرير في قطع الطريق؛ فإن القتل في الدم بمثابة السرقة في المال.
فهذا ما أردنا أن نذكره في ذلك، وقد يلتحق بهذا القسم شيء، ولكن الترتيب يقتضي ذكرَ القسم الثالث أولاً، ثم إذا انتجز، اشتغلنا به.
11466- فأما القسم الثالث: فهو في بيان أمور تصدر منهم، ممّا لا يقع في القسم الأول، ولا يتعلّق به إضرارٌ بيّن، وذلك كإظهارهم الخمور، وإسماعنا النواقيس، وتركهم الغِيَار، وإظهارهم معتقدهم في المسيح، مما يُكفَّرون به، فهذه الأشياء في أعيانها لا تنقض العهد أصلاً باتفاق الأصحاب، ولكنا نمنعهم، وقد نُعزِّرهم.
وهذا كله إذا لم ينته الأمر إلى الإضرار، والامتناع، والتجمع، فإن هذا يلتحق بالامتناع عن جريان أحكام الإسلام، وقد مضى فيه البيان الشافي.
ولو شرط الإمام عليهم ألاّ يفعلوا هذا، ففعلوه، لم ينتقض عهدهم؛ فإن الشرط على هذا الوجه لا يُغيّر حكم الانتقاض ثبوتاً، وانتفاءً. ولو شرط الإمام عليهم انتقاض العهد، لو فعلوا ما وصفناه، فقد قال الأئمة: يحمل الشرط في هذا على التخويف. وهذا كلام مبهم، لا أستجيز الاكتفاء به.
وتفصيله أنا سنذكر بعد هذا-إن شاء الله تعالى- الاختلافَ في أن الذمة المؤقتة هل تصح؟ فإذا قال عاقد الذمة: إن أظهرتم خموركم، فلا عهد، أو انتقض العهد، فهذا تأقيت للذمة، فمن يُجوّزُ تأقيت الذمة إلى أمد، لا يبعد عنده تأقيت الذمة إلى إظهار فعلٍ، فعلى هذا يجب القضاء بالانتقاض.
ومن قال: الذمة المؤقتة فاسدة، فيجب عنده القضاء بفساد الذمة من أصلها، وليس للإمام أن يعقد مثل هذه الذمة على هذا الوجه، ولابد مما ذكرناه إذا صرح عاقد الذمة باشتراط انتقاض الذمة بهذه الأفعال، ويعود الكلام إلى أن شرطه هل يُفسد الذمة أم لا؟ فإن صححنا التأقيت، صحت الذمة إلى انتقاضها، وإن لم نصحح التأقيت، فسدت الذمة من أصلها.
وفي كلام الصيدلاني ما يشير إلى أن الذمة تتأبد، والشرط يفسد. وهذا فقيهٌ؛ من جهة أن الذمة لم ترتبط بوقتٍ زماني، وإنما أرسلت إرسالاً يتصور أن تتأبد لو فرض عدم ما شرط انتفاؤه، فيؤول الفساد إلى الشرط، وهذا يخالف التأقيت؛ فإن العهد المؤقت ليس ذمة، وما ذكرنا في الصورتين يماثل تأقيت الوقف وتأبيده مع شرط فاسد، فقد نقول المؤقت منه مردود، وليس بوقف، وإنما هو إعارة، وإباحة، والمؤبد منه مع شرط فاسد وقف فيه شرط فاسد، وقد يرى بعض الأصحاب إحباط الشرط، وتصحيح الوقف.
هذا تمام المراد في قواعد الأقسام الثلاثة.
11467- ثم نحن بعد نجازها نذكر أمراً مهمّاً متردداً بين الأقسام، وهو أن أهل الذمة، لو تعرضوا لرسولنا صلى الله عليه وسلم، بسوء، وقدحوا في الإسلام، وأظهروا ذلك، فقد اضطرب طرق أئمتنا، ونحن نسرد جميعها نقلاً، ثم نذكر المسلك المرتضى.
ذكر صاحب التقريب، والعراقيون وجهين في ذلك:
أحدهما: أن قدحهم في الإسلام والتعرض للرسول صلى الله عليه وسلم ملتحق بالقسم الأول، وقد مضى الحكم فيما اشتمل عليه القسم الأول.
والوجه الثاني- أن الحكم في ذلك كالحكم فيما يشتمل عليه القسم الثاني؛ فإن هذا مما يعظم الضرر فيه، ويقدح في قلوب أهل الإسلام، وذو الدين إذا قدح في دينه، جاز وقعُ ذلك على التعرض لدمه وماله، فاتجه إلحاقُه بالمضرّات.
وذكر الصيدلاني في ذلك تفصيلاً حسناً، فقال: إن ذكروا الله تعالى، ورسوله صلى الله عليه وسلم بما لا يعتقدونه فيه ديناً مثل: أن يسبوا الرسول صلى الله عليه وسلم أو يطعنوا في نسبه صلى الله عليه وسلم، فهذا يلحق بالقسم الأول أو الثاني. وأما إذا ذكروا رسولنا صلى الله عليه وسلم بما يعتقدونه فيه ديناً من أنه ليس برسول، والقرآن ليس بكلام الله تعالى، فهذا بمنزلة إظهارهم كفرهم من نحو قولهم في المسيح.
وهذا ترتيب حسن.
والذي أُحبُّه أن نتخذ هذا الترتيب عماداً، ونبني عليه التعرض، ونقول: إن تعرّضوا للإسلام، وأساءوا لنبينا بما ليس هو من قاعدة دينهم، ففيه وجهان قدمنا ذكرهما، أحدهما- أن ذلك كالقسم الأول.
والثاني: أنه كالقسم الثاني، وإن لم يتعرّضوا لديننا، ولرسولنا صلى الله عليه وسلم، ولكن أظهروا، قولهم في المسيح، وذكروا معتقدهم في التثليث، فهذا لا يوجب نقض العهد، ولكنا نؤدبهم لإظهارهم كفرَهم، كما نؤدبهم لإظهار الخمور، والخنازير وإسماعنا النواقيسَ، وإن أظهروا معتقدهم في القدح في الإسلام، وتكذيب نبينا، فهذا مختلف فيه: فمن أصحابنا من جعل هذا بمثابة ما لو قدحوا في الإسلام بما لا يعتقدونه، وهذا بعيد.
ومنهم من ألحق هذا بذكرهم المسيح، وإظهارهم التثليث.
هذا هو البيان التام في ذلك.
وكنت أحب لو قال قائل في القسم الثاني: لا ينتقض العهد بصدور المضرّات، ولكن للإمام أن ينقض عهدهم إن شاء. ولم يصر إلى هذا أحد في هذا الفصل، والقول به ممكن؛ فإن من أصحابنا من يجوز للإمام أن ينبذ الذمة، إذا ظهرت منهم تهمة تجر ضرراً، كما سنذكره. إن شاء الله. فكان لا يبعد أيضاً أن يصح من الإمام شرط النقض إن شاء، لست أعني شرط الانتقاض، فإن ذلك قضينا منه الوطر.
11468- ثم إذا انتقض عهد الذمي، فقد أطلق الأصحاب قولين: في أنا هل نغتالهم أو نُبلغهم مأمنهم؟ وهذا لا يكشف الغطاء، فالوجه أن نقول: إذا كان انتقاض عهدهم سبباً لقتال علينا، فقد صاروا حرباً في دار الإسلام، فلا نلبّث، وليس إلا البدار إلى اصطلامهم، وليس هذا محل القولين.
وإن أتَوْا بما اشتمل عليه القسم الثاني، وقلنا: بانتقاض عهودهم، فهل نقاتلهم، أو نبلغهم مأمنهم؟ فعلى قولين:
أحدهما: أنا نغتالهم، فإنا إذ كنا نقضي بانتقاض عهدهم تغليظاً عليهم لما أقدموا عليه من الجرائم، فيليق بهذا المقام أن نستأصلهم، أو نغتالهم.
والقول الثاني- أنا لا نغتالهم؛ فإنهم لم ينابذونا، ولم يصيروا حرباً لنا. ويجوز أن يقال: انتقض عهدهم، فأما ألا تبقى عُلقة يتبلغون بها فهذا سرف.
ولو نبذ الذميّ العهدَ ورام الالتحاق، ولم يضر بأحد، فقد قطع المحققون بأنا نُبلغه المأمَن، وفي تعليق معتمد عن القاضي إجراء القولين هاهنا أيضاً، وهذا هفوة.
والمسائل موزعة على ثلاث مراتب: إحداها- المنابذة، ونصب القتال، ومصيره حرباً، فهاهنا لا اختلاف في الاغتيال والاستئصال في النفس والذرّية والمال.
والمرتبة الثانية- في انتقاض العهد بالمضرات التي ليست منابذة، والقولان يجريان هاهنا في الاغتيال ووجوب تبليغ المأمن.
والمرتبة الثالثة- في نبذه العهد ليلتحق بدار الحرب، والوجه هاهنا القطع بوجوب تبليغه. ومن أجرى القولين في هذا القسم، فقد أبعد، ووجهه على بُعده أنه لو نبذ العهد حربيٌّ بلا أمان، وكان يمكنه أن ينطلق إلى دار الحرب من غير نبذ العهد، فإذا نبذه أمكن على هذا التقدير إجراء القولين.
هذا منتهى الكلام في نواقض العهود وما يتعلق بأطرافها.
11469- ونحن نختم هذا الفصل بأمر يتعلق بالمسلمين: قال الأئمة: من ذكر الله تعالى بسوء، وكان ذلك مما يوجب التكفير بالإجماع، فالذي صدر منه رِدّة، فإذا تاب، قُبلت توبته.
11475- ولو سبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بما هو قذفٌ صريح، كفر باتفاق الأصحاب، قال الشيخ أبو بكر الفارسي في كتاب الإجماع: لو تاب، لم يسقط القتل عنه؛ فإنّ حدّ من يسبّ رسول الله صلى الله عليه وسلم القتلُ، فكما لا يسقط حدّ القذف بالتوبة، فكذلك لا يسقط القتل الواجب بسب النبي صلى الله عليه وسلم بالتوبة، وادعى فيه الإجماع، ووافقه الشيخ أبو بكر القفال.
وقال الأستاذ أبو إسحاق: كفر بالسبّ، وتعرض للسيف تعرض المرتد، فإذا تاب، سقط القتل.
وقال الشيخ أبو بكر الصيدلاني: إذا سبّ الرسول صلى الله عليه وسلم، استوجب القتل، والقتلُ للردّة لا للسبّ، فإن تاب زال القتل الذي هو موجَب الردّة، وجُلد ثمانين، هذه طُرق الأصحاب في ذلك.
11471- والغرض لا ينكشف في هذا إلا بمباحثةٍ وغوصٍ فنقول: من سبّ محصناً وله ورثة قاموا بطلب الحدّ، ولو لم يكن للمقذوف ورثة، فهل نقول: يرث المسلمون الحدّ، وينوب الإمام عنهم، واشتهر القولان في أن من قُتل وليس له وارث خاص، فهل يجب القصاص على قاتله؟
ذهب بعض الأصحاب إلى أن نفي القصاص خارج على أن في المسلمين صبياناً ومجانين وغُيّباً، والعقوباتُ على الدّرء، ولعل الأصح أن القولين مخرجان على قاعدة أخرى، وهي أن المال مصروف إلى جهة المصالح؛ إذ لا سبيل إلى تعطيلها، وأَوْلى الجهات ما يعم الكافّة، وهي المصالح، وأما القصاص فلا ضرورة في إقامته؛ حيث لا يطلبه معين، وينشأ من هذا أن الإمام لو أقامه، لكان بين أن يتحتّم عليه الاقتصاص؛ فيلتحق بالحدود، وبين أن يتخير ويردّ الأمر إلى الاستصواب والاجتهاد، وهذا بعيد عن قياس القصاص.
فإذا تمهّد هذا، قلنا: إذا قُذف المحصن، فلا يبعد خروج إقامة الحد على ما ذكرناه في القصاص، والمسلك الذي ذكره بعض الأصحاب في القصاص من أن المسلمين لا يخلون عن صبيان ومجانين لا يستدّ في حد القذف؛ فإنه يستقلّ بطلبه كلُّ مَنْ يقوم به، هذا قولنا في سبّ من لا وارث له.
فلو سب شقيٌّ النبيَّ صلى الله عليه وسلم، ثم تاب، فإن قلنا: لا يسقط القتل كما ذكره الفارسي، فلا بُعد، وللرسول صلى الله عليه وسلم عصبات من بني أعمامه، فلو سلكنا بهذا مسلك حد القذف، فيلزم سقوطه بإسقاط الورثة، وإن قيل لا ينحصر ورثته، فيجب أن يتوقف استيفاء الحد على طلب واحد؛ فإن ذلك ممكن، والاجتماع ليس شرطاً في الطلب، ويلزم أن يخرج هذا على الخلاف في قذف محصن ليس له وارث خاص.
وهذا خبط وتخليط، ولا يتجه عندنا إلا مسلكان:
أحدهما: ما قاله الفارسي وهو في نهاية الحسن، ولكنه مبهم بعدُ؛ فإنه أطلق فقال: حَدُّ من يسبّه القتلُ، وهذا فيه نظر؛ فإن الحدود لا تثبت بالرأي، وقد ورد في الأخبار: "من سبّ نبيّاً فاقتلوه، ومن سبّ أصحابه فاجلدوه " ولكن مع هذا لا يمكن القضاء بكونه حدَّ قذف، ولكنه هو قتلٌ بسبب هو رِدّة، وهو متعلق بتعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا تصح التوبة عما يتعلق بحق الآدمي، وهذا مراد الفارسي. هذا مسلك.
والآخر- أنه ردّة، والتوبة عنه كالتوبة عن الردة، والوقيعة في رسول الله صلى الله عليه وسلم كذكر الله تعالى بالسوء. فإن قال قائل: أحبطتم حكم قذفه بالتوبة قلنا: قدره أعلى من أن يجعل سبّه كسبِّ غيره، وإذا جعلنا سبّه ردّة، فليس بعد ذلك مرتبة، ثم إن عَظُم سقوطُ موجب الردّة على إنسان، عورض بالرّدة بذكر الله تعالى بالسوء، وما ذكره الصيدلاني من بقاء ثمانين جلدة تعرض منه لقياس جزئي في الفقه، وليس هذا موضعه، والدليل عليه أنه لو لم يتب، للزم أن يجلد، ويقتل: الجلد لقذفه والقتل لردته، هذا منتهى المراد في ذلك.
11472- قال شيخنا: من كذب عمداً على رسول الله صلى الله عليه وسلم كفر، وأريق دمه، أما التكفير بالكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فزلّةٌ عظيمة، ولم أر ذلك لأحد من الأصحاب، وإنما ذكرت ذلك لأنه كان لا يخلي عنه الدرسَ إذا انتهى إلى هذا المكان، وقد ورد خبر يعضد ما ذكره من إراقة الدم: "روي أن رجلاً انطلق إلى طائفة من العرب وأخبرهم أنه رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأكرموه، ثم وفدوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبروه بأمره فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله إذا رجعوا إليه"، وفي الحديث أنه قال: "وما أراكم تدركونه، فلمّا رجعوا ألفوه هالكاً قد أهلكته صاعقة " ووجه التعلّق بالقصة من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله.
ونحن نقول: أما التكفير، فهفوة. وأما القتل، فلا وجه له أيضاً، والوجه حَمل أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على معرفته بأن ذلك الرجل كان منافقاً، ولا وجه لإثبات كفرٍ لا أصل له، ولا لإثبات قتلٍ لا مستند له.
11473- ولو تعرض متعرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم بوقيعةٍ ليست قذفاً صريحاً، ولكنه تعريضٌ موجَبُ مثله التعزير، فالذي أراه أنه كالسب الصريح؛ فإن الاستهانة بالرسول كفر.
ثم ينقدح فيه تحتم القتل حتى لا يسقط، ويجرى فيه السقوط بالتوبة، وقد ذكرت أن التعرض لحدّ القذف ركيك في هذا المقام. وقد انتجز الفصل.
فصل:
قال: "ولا يحدثوا في أمصار المسلمين كنيسة... إلى آخره".
11474- قال الأئمة: البلاد قسمان: بلدة ابتناها المسلمون وأثبتوا خِطتها، فلا يمكّن أهل الذمة من إحداث بِيعةٍ أو كنيسة فيها، وكذلك القول في بيوت النيران، فإن فعلوا، نقضت عليهم.
ولو كان البلد للكفار، فجرى عليهم حكم المسلمين، فهذا ينقسم قسمين: فإن فتحه المسلمون عَنْوة وملكوا رقاب الأبنية والعرصات، تعين نقض ما فيها من البيع والكنائس، وإذا كنا ننقض ما يصادَف من الكنائس والبيع، فلا يخفى أنا نمنعهم من استحداث كنائس. ولو رأى الإمام أن تبقى كنيسة ويقر في البلد طائفة من أهل الكتاب، فالذي قطع به الأصحاب منعُ ذلك، وذكر العراقيون وجهين:
أحدهما: أنه يجوز للإمام أن يقرّهم ويُبقي الكنيسةَ عليهم.
والثاني: أنه لا يجوز له ذلك، وهو الأصح الذي قطع به المراوزة. وهذا إذا فتحنا البلدة عنوة.
فإن فتحناها صلحاً، فهذا ينقسم قسمين: أحدها: أن يقع الفتح على أن رقاب الأراضي للمسلمين، فهم يقَرون فيها بمالٍ يؤدونه لسكانها سوى الجزية؛ فإن استثنوا في الصلح البيعَ والكنائس، لم تُنقض عليهم، وإن أطلقوا ولم يستثنوا بيعهم وكنائسهم، ففي المسألة وجهان:
أحدهما: أنها تُنقض عليهم، لأن المسلمين ملكوا رقاب الأبنية، والبيع والكنائس تُغنم كما تغنم الدُّور، كذلك تملك بالشرط المطلق في الصلح. والوجه الثاني- لا نملكها لأنا شرطنا تقريرهم وقد لا يتمكنون من المقام إلا بتبقية مجتمع لهم فيما يروْنه عبادة.
وحقيقة الخلاف ترجع إلى أن اللفظ في مطلق الصلح هل يتناول البيع والكنائس مع القرائن التي ذكرناها.
هذا أحد القسمين في القسم الأخير.
القسم الثاني- أن يفتح المسلمون على أن تكون رقاب الأراضي لهم، فإذا وقع الصلح كذلك فلا نتعرض للبيع والكنائس، لأن البلد بلدهم ولنا عليهم الجزى وما يشترطه الإمام على الأصول المقدمة.
وإذا أرادوا إحداث كنائس، فالمذهب أنهم لا يمنعون؛ فإنهم متصرفون في أملاكهم، وأبعد بعض أصحابنا فمنعهم من استحداث ما لم يكن؛ فإن هذا إحداث بيعة في بلدة هي تحت حكم الإسلام.
11475- هذا بيان ما يتعلق بإبقاء البيع وهدمها، واستحداثها، والكلام بعد ذلك في تمكنهم من العمارة، فإن تصوّرت المسألة بحيث يقرون فيها على كنائسهم ويمنعون من استحداث كنائس وبيع، فقد قال الأصحاب: إذا استرمّت الكنائس، فلا يمنعون من مرمّتها؛ فإنهم لو منعوا من ذلك، لتهدمت الكنائس. ثم اختلف الأصحاب بعد ذلك: فقال قائلون: ينبغي أن يعمروا الكنائس بحيث لا يظهر للمسلمين ما يفعلون؛ فإن إظهار العمارة منهم تربيةٌ منهم للكنائس قريبة من الاستحداث. وقال آخرون: لهم إظهار العمارة، وهو الأصح.
ثم من أوجب عليهم الكتمان قالوا: لو تزلزل جدار الكنيسة أو انتقض، منعوا من الاعادة؛ فإن الإعادة ظاهرة، فإذا لم يكن من الانهدام بد، فلا وجه إلا أن يبنوا جداراً داخل البيعة، ثم قد يفضي هذا إلى أن يبنوا جداراً ثالثاً إذا ارتج الثاني، وهكذا إلى أن تفنى ساحة البيعة، وهذا إفراط لا حاصل له، ولست أدري ما يقول هذا القائل إذا أمكن نقض الجدار وإعادته ليلاً، ولا تفريع على الضعيف.
فإن فرعنا على الصحيح وجوزنا العمارة إعلاناً، فلو انهدمت الكنيسة، فهل يجوز إعادتها كما كانت؟ فيه وجهان مشهوران:
أحدهما: المنع؛ لأن هذا استحداث كنيسة.
والثاني: الجواز؛ لأنها وإن انهدمت فالعرصة كنيسة، والتحويط عليها هو الرأي حتى يستتروا بكفرهم، فإن منعنا إعادة الكنيسة، فلا كلام، وإن جوزنا إعادتها، فهل لهم أن يزيدوا في خِطتها؟ فعلى وجهين: أصحهما- المنع؛ لأن الزائد كنيسة جديدة، وإن كانت متصلة بالأولى والتفريع فيه إذا كان لا يجوز لهم استحداث كنيسة جديدة.
وإن بقيناهم على كنيستهم، فالمذهب أنا نمنعهم من ضرب النواقيس، فإن هذا بمثابة إظهار الخمور والخنازير، وأبعد بعض الأصحاب فقال: يجوز تمكينهم من ضرب النواقيس؛ فإنها من أحكام الكنيسة، وهذا غلط لا يعتد به.
ولو وقع الشرط على أن تكون رقاب الأبنية في البلدة وعرصاتها لهم، فلا يمنعون من ضرب النواقيس، وإظهار الخمور والخنازير في مثل هذه البلدة؛ فإنها بحكمهم، ولو كان يخالطهم المسلمون، لم يكن لهم أن يعترضوا عليهم، والبلدة في الجملة والتفصيل بمثابة دار الذمي في بلاد الإسلام، ولا يخفى أنه لا يجب البحث-بل لا يجوز- عما يتعاطَوْن في دورهم، قال صاحب التقريب: لا يكلفون الغيار في البلدة التي وصفناها، والأمر على ما قال، وقد فُتحت قرى الشام صلحاً على أن تكون لأهلها، فكانوا يظهرون النواقيس في زمن معاوية وجرت له قصة مشهورة.
فأما ناووس المجوس فلست أرى أمراً يوجب المنع فإنها حُوَطٌ وبيوت يجمع المجوس فيها جيفهم، وليس كالكنائس والبيع التي تتعلق بشعار أديان الكفار. والله أعلم.
فصل:
11476- قال الأئمة: يمنع الذمي من مطاولة أبنية المسلمين ببنيانه، والتفصيل فيه أنه إن أراد أن يطوّل بنيانه المجاور لبنيان مسلمٍ، يمنع من ذلك، لما فيه من الاستكبار على المسلم بالازدياد عليه، وليس ذلك لإمكان اطلاعه، فإنه قد يقدر على الاطلاع وإن لم يطل. ثم ما ذهب إليه الأصحاب أن المنع من المطاولة في هذه الصورة حتمٌ، وليس من حق الجار المسلم حتى يقال: لو رضي به، لجاز له المطاولة، بل هذا من حق الدين.
وقال صاحب التقريب: من أصحابنا من رأى هذا أدباً، ولم يره حتماً؛ ذاهباً إلى أن دار الكفار ملكُهم، فمنعهم من التصرف في ملكهم لا ينقاس، وهذا بعيد غير معتد به.
ولو سوّى الكافر داره مع دار المسلمين ففي بعض التصانيف وجهان:
أحدهما: أنه يمنع من المساواة، كما يمنع من المطاولة.
والثاني: أنه لا يمنع من المساواة.
وكل ما ذكرناه فيه إذا أراد أن يستحدث بناء يطاول به، فلو اشترى داراً مطلة على الدور من جوانبها، وكانت لمسلم، فالذي رأيته متفقاً عليه للأصحاب أنه لا يمنع من سكون الدار التي اشتراها، ولا يكلف أن يحط من سمت أبنيتها، بل يتركها كما اشتراها، ويسكنها، والذي ذكرناه فيه إذا كانت دار الكافر بقرب دار أو دورٍ للمسلمين.
فأما إذا كان للذمي دار في طرف البلد لا تجاور أبنية المسلمين، فالذي قطع به الصيدلاني أنه لا يمنع الكافر من إطالة سَمْك هذه الدار " فإن المطاولة هي المحرمة، وهذا المعنى إنما يتحقق في الدور المجاورة.
وقال أيضاً: لو كان للكفار حارة مخصوصة بهم لا يخالطهم فيها مسلم، فإذا أراد الكفار إطالة أبنيتهم في حارتهم، فلا يمنعون، وما ذكروه فيه إذا لم تكن الحارة مجاورة للحارات، بل منفردة لا تجاور سائر المحال.
وحاصل ما ذكره أن الممنوع معنى المطاولة، وهو من قولهم: طاولته، فطلته، وإنما يتحقق ذلك عند فرض تناسب، ومن ضرورته أن يكون بين بنائه وبناء المسلم تقارب، وأطلق بعض الأصحاب المنعَ عن تطويل البناء، وليس له وجه يرتضى، فلا يحمل إطلاق من أطلق إلا على الغفلة عن التفصيل الذي ذكره الصيدلاني.
فإن اعتقد معتقِد تعميمَ المنع، فالممكن في تقريبه وتوجيهه أن الكافر إذا أظهر في تطويله البناء ما يبين منه التميّزُ بالخيلاء والسرف في الزينة والمسكن، فيمنع كما يمنع من مساواة المسلمين في ركوب الخيل واتخاذ السُّرُج والمراكب النفيسة، وهذا أصلٌ لا بأس به، ولكن لا ينبغي أن يلتزم صاحبه تقصير شأنه عن أقصر بنيان في البلدة، ولكن الممكن فيه أن يُمنع من إظهار الزينة بالإطالة، ولا يخفى درك ذلك.
ويبقى مع هذا الفرق بين المجاورة والانفراد، فإذا جاور دار مسلم أُمر برعاية مناسبة تلك الدار والانحطاط عنها، والاكتفاءِ بمساواتها، لظهور المطاولة، عند المجاورة، وهذا لا يراعى مع الانفراد.
ولو كان الذمي في جوار حجرة لضعفة المسلمين على نهاية القصر، فهل يكلف الحط عنها، أو مساواتها؟ ظاهر ما ذكره الأصحاب أنه يكلف ذلك، وفيه نظر للناظر، والله أعلم.